من الجوار إلى الإقليم... لماذا تتكرر اتهامات الإخفاق في السياسة السعودية؟

تقارير - منذ 1 يوم

عدن ||عين الجنوب||خاص:
منذ عقود، تتعرض السياسة الخارجية السعودية لجدل واسع حول مدى قدرتها على تحقيق أهدافها في الملفات الإقليمية المعقدة. وبينما يرى مؤيدو الرياض أنها استطاعت حماية مصالحها في بيئة مضطربة، يذهب منتقدوها إلى أن سجلها يحمل سلسلة من الإخفاقات السياسية والعسكرية التي امتدت من اليمن إلى لبنان والعراق وسوريا، وصولًا إلى المواجهة غير المباشرة مع إيران.
ويبرز الملف اليمني باعتباره أحد أكثر الأمثلة حضورًا في هذا النقاش. فبعد سنوات طويلة من العمليات العسكرية والإنفاق الضخم، لا يزال النزاع قائمًا، ولم يتحقق السلام الدائم الذي كانت تطمح إليه الأطراف المنخرطة في الحرب. ويرى منتقدون أن الحرب تحولت من عملية كان يُعتقد أنها ستكون قصيرة إلى استنزاف طويل الأمد، فرض تحديات أمنية واقتصادية وسياسية على جميع الأطراف.
لكن بالنسبة لهؤلاء المنتقدين، فإن اليمن ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة أطول.
ففي لبنان، يُنظر إلى سنوات طويلة من الاستثمار السياسي والاقتصادي السعودي على أنها لم تنجح في ترسيخ نفوذ مستدام يوازي حجم الإنفاق والدعم المقدم. ومع تغير موازين القوى الداخلية والإقليمية، تراجع الحضور السعودي مقارنة بفاعلين آخرين تمكنوا من بناء نفوذ أكثر استقرارًا، وفق هذا الرأي.
أما العراق، فبعد عام 2003 شهدت المنطقة تحولات جذرية أعادت تشكيل التوازنات السياسية. ويرى محللون أن السعودية لم تتمكن من لعب دور مؤثر في رسم المشهد العراقي الجديد، في حين تمكنت قوى إقليمية أخرى من تعزيز حضورها السياسي والأمني والاقتصادي داخل البلاد.
وفي سوريا، كان إسقاط النظام السوري هدفًا طرحته قوى إقليمية ودولية عدة خلال السنوات الأولى من الأزمة، إلا أن مسار الأحداث اتخذ اتجاهًا مختلفًا تمامًا. وانتهت الحرب ببقاء الدولة السورية ومؤسساتها الأساسية، مع تغير في موازين القوى الدولية والإقليمية، وهو ما اعتبره كثيرون انتكاسة للمراهنات التي تبنتها بعض العواصم، ومنها الرياض.
أما العلاقة مع إيران، فتبقى المثال الأكثر تعقيدًا. فمنذ عقود تدور منافسة سياسية واستراتيجية بين البلدين في أكثر من ساحة، لكن منتقدي السياسة السعودية يرون أن محاولات احتواء النفوذ الإيراني لم تحقق النتائج المرجوة، بل إن طهران تمكنت، بحسب هذا الرأي، من الحفاظ على حضورها أو توسيعه في عدد من الملفات الإقليمية، قبل أن يتجه الطرفان لاحقًا نحو استئناف العلاقات الدبلوماسية في إطار مساعٍ لخفض التوتر.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن المشكلة لا تكمن في ساحة بعينها، بل في طبيعة إدارة الملفات الإقليمية نفسها، حيث يتم أحيانًا رفع سقف الأهداف السياسية والعسكرية إلى مستويات يصعب تحقيقها، بينما تكون الوقائع على الأرض أكثر تعقيدًا من التقديرات الأولية.
في المقابل، يرفض مؤيدو السياسة السعودية وصف هذه الملفات بالإخفاق المطلق، ويؤكدون أن المملكة واجهت تحديات أمنية وإقليمية استثنائية، وأن العديد من القرارات اتُّخذت في سياق ماتسميه حماية الأمن الوطني ومواجهة تهديدات متصاعدة، وأن تقييم النتائج يحتاج إلى النظر في الظروف الإقليمية والدولية التي أحاطت بكل ملف. ويرى منتقدون ان ماتسميه المملكه بالامن القومي السعودي ليس سوى ذريعه للتدخلات في شؤون دول الجوار
وبين هذين الرأيين، يبقى المؤكد أن الشرق الأوسط شهد خلال العقدين الماضيين تغيرات متسارعة أعادت رسم موازين القوى بصورة غير مسبوقة، وأن أي دولة، مهما بلغت إمكاناتها، تواجه صعوبات كبيرة في تحقيق جميع أهدافها في بيئة إقليمية تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية.
ويبقى السؤال الذي يطرحه المراقبون: هل كانت تلك المحطات مجرد تعثرات ظرفية فرضتها تعقيدات المنطقة، أم أنها تعكس خللًا بنيويًا في إدارة السياسة الخارجية السعودية؟ الإجابة تختلف باختلاف زاوية النظر، لكنها ستظل جزءًا من النقاش السياسي حول مستقبل التوازنات في الشرق الأوسط.

فيديو