السياسة السعودية في الجنوب.. من إدارة النفوذ إلى طريقٍ مجهول

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب|| خاص :
لم تعد السياسة السعودية في الجنوب مجرد ملف أمني مرتبط بالحرب مع الحوثيين، ولا مجرد محاولة لإدارة التوازنات بين القوى المحلية، بل تحولت خلال عام 2026 إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وإثارة للجدل في المشهد اليمني. فمع التحولات العسكرية والسياسية التي شهدتها المحافظات الجنوبية، وانتقال مركز الثقل من نفوذ متعدد الأطراف إلى حضور سعودي أكثر وضوحًا، بات السؤال الأهم: إلى أين تقود الرياض الجنوب؟ وهل تمتلك رؤية سياسية قادرة على احتواء القضية الجنوبية، أم أن سياسة إدارة النفوذ تفتح الطريق أمام مرحلة أكثر غموضًا؟
شهد مطلع عام 2026 تغيرًا كبيرًا في موازين القوى جنوبًا، بعدما تدخلت السعودية عسكريًا وسياسيًا لإعادة ترتيب المشهد عقب تصاعد المواجهات مع المجلس الانتقالي الجنوبي. واشارت مراكز دراسات يمنيه إلى أن الرياض عملت على إعادة هيكلة المنظومة الأمنية والعسكرية في الجنوب، وسعت إلى ملء الفراغ الذي أعقب الانسحاب الإماراتي وإعادة ترتيب القوى المحلية.
لكن المشكلة لا تكمن في إعادة ترتيب القوات بحد ذاتها، وإنما في السؤال الذي يليها: ما المشروع السياسي الذي يفترض أن يرافق هذا الترتيب الأمني؟
فالقوة العسكرية تستطيع أن تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة استقرار دائم، ولا تستطيع إلغاء قضية سياسية متجذرة في الوعي الشعبي. ولهذا فإن التعامل مع الجنوب باعتباره مجرد ملف أمني قد يقود إلى نتيجة عكسية؛ إذ يتحول الضغط إلى وقود إضافي للاحتقان، وتتحول الإجراءات الأمنية إلى مادة سياسية تستخدمها القوى الجنوبية لتأكيد خطابها الرافض لما تسميه الوصاية الخارجية.
الجنوب ليس خريطة عسكرية
أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه أي قوة إقليمية هو النظر إلى الجنوب باعتباره مجموعة من المدن والمعسكرات والموانئ والحقول النفطية التي يمكن إعادة توزيع النفوذ فيها عبر التعيينات والانتشار العسكري.
فالجنوب بالنسبة لأبنائه ليس مجرد جغرافيا، وإنما قضية سياسية لها جذور تاريخية وتراكمات اجتماعية وشعور متنامٍ بالخصوصية السياسية.
وقد أظهرت الاحتجاجات والفعاليات الجنوبية خلال الأشهر الماضية أن الحضور الشعبي للقضية الجنوبية لم ينتهِ بانهيار أو حل أي إطار سياسي أو عسكري، بل بقي حاضرًا في الشارع. وقد أشار مركز صنعاء إلى استمرار احتجاجات مؤيدة للمجلس الانتقالي في عدد من المناطق الجنوبية، وتحول الاحتجاج الشعبي إلى إحدى أدوات المعارضة الجنوبية.
وهنا تبرز المفارقة: كلما حاولت السياسة السعودية اختزال القضية الجنوبية في إعادة ترتيب النخب والقوى المسلحة، ازدادت الحاجة إلى معالجة أصل المشكلة سياسيًا.
من الشراكة إلى إعادة تشكيل النفوذ
خلال السنوات الماضية، تعاملت السعودية والإمارات مع الجنوب من خلال شبكة من الشركاء المحليين، لكن التباين بين مصالح الطرفين وصل إلى مرحلة حادة مع نهاية 2025 وبداية 2026.
وأظهرت التطورات العسكرية أن الرياض باتت صاحبة النفوذ الإقليمي الأبرز في المناطق الجنوبية الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليًا، بينما تراجع الدور الإماراتي بصورة كبيرة. ووصفت تقارير بحثية هذه المرحلة بأنها محاولة سعودية لإعادة رسم موازين القوى في المناطق الحكومية وإعادة هيكلة القوى الأمنية والعسكرية.
غير أن استبدال نفوذ إقليمي بنفوذ إقليمي آخر لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة.
فالجنوب يحتاج إلى صيغة سياسية تضمن لأبنائه حق المشاركة في تحديد مستقبلهم، وليس فقط إلى منظومة أمنية جديدة أو قيادة عسكرية جديدة.
سياسة الاحتواء أم سياسة الإقصاء؟
تطرح الرياض نفسها في أحيان كثيرة باعتبارها طرفًا يسعى إلى الحل السياسي والحوار، وقد دعت إلى حوار جنوبي بهدف الوصول إلى حلول تلبي التطلعات المشروعة لأبناء الجنوب. كما رحب المجلس الانتقالي في حينه بالدعوة السعودية واعتبرها فرصة للحوار.
لكن الفارق بين الحوار الحقيقي والحوار لإدارة الأزمة كبير جدًا.
فالحوار الذي يبدأ من افتراضات مسبقة، أو يهدف إلى إنتاج قيادة جنوبية بديلة، أو إعادة توزيع النفوذ دون مناقشة جوهر القضية، قد يتحول من وسيلة للحل إلى وسيلة جديدة لإدارة الصراع.
وهنا يكمن الخطر الأكبر.
إذا شعر الشارع الجنوبي بأن الحوار ليس أكثر من محاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي وفق إرادة خارجية، فإن النتيجة قد تكون مزيدًا من الاحتقان، لا التسوية.
الطريق إلى المجهول
الجنوب يقف اليوم أمام مفترق طرق.
فمن جهة، هناك رغبة إقليمية في تثبيت الأمن ومنع عودة الفوضى، ومواجهة الحوثيين والجماعات المسلحة وشبكات التهريب والإرهاب.
ومن جهة أخرى، هناك قضية سياسية جنوبية لا يمكن اختزالها في الأمن، ولا يمكن التعامل معها بمنطق القوة وحده.
وقد برزت بالفعل تحذيرات من تداعيات الفراغات الأمنية وإعادة تشكيل المنظومة العسكرية في الجنوب. ففي يوليو 2026، نقلت صحيفة "ذا ناشيونال" مخاوف بشأن تنامي بعض شبكات التهريب وظهور مؤشرات على نشاط تنظيم القاعدة في مناطق من حضرموت، في سياق إعادة تشكيل الأجهزة والقوات الجنوبية.
وهذا يعني أن المسألة ليست سياسية فقط؛ فطريقة إدارة الجنوب تؤثر أيضًا في أمن الإقليم والممرات البحرية ومكافحة الإرهاب.
هل تستطيع الرياض صناعة الاستقرار؟
السعودية تمتلك أوراقًا سياسية واقتصادية وعسكرية ضخمة، ولذلك فإن قدرتها على التأثير في المشهد الجنوبي لا يمكن تجاهلها.
لكن امتلاك أدوات القوة لا يعني بالضرورة امتلاك مفاتيح الحل.
فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الخوف من القوة، وإنما على وجود قناعة لدى السكان بأن مستقبلهم السياسي لن يُقرر من خارج حدودهم.
وإذا أرادت الرياض بالفعل إنهاء الصراع في الجنوب، فإن الطريق الأقصر ليس إضعاف القوى الجنوبية أو تفكيكها، وإنما فتح مسار سياسي جاد يستوعب مختلف المكونات الجنوبية، ويمنح القضية الجنوبية مكانتها الحقيقية على طاولة المفاوضات.
الجنوب بين مشروعين
المعضلة اليوم أن هناك مشروعًا إقليميًا يريد يمنًا مستقرًا وموحدًا ضمن ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، في مقابل مشروع جنوبي يرفع مطلب استعادة الدولة وتقرير المصير.
وبين المشروعين توجد مساحة واسعة يمكن أن تتحول إما إلى جسر للحل أو إلى ساحة صراع جديدة.
والسؤال هنا ليس: من يستطيع السيطرة على عدن؟
بل: من يستطيع إقناع الجنوبيين بأن مستقبلهم لن يكون رهينة للقرارات الخارجية؟
هذه هي المعادلة الحقيقية.
فحتى إذا نجحت الرياض في إحكام السيطرة الأمنية، فإنها ستحتاج في النهاية إلى إجابة سياسية عن مستقبل الجنوب. وإذا لم توجد هذه الإجابة، فإن الهدوء قد يكون مؤقتًا، وقد تعود الأزمة بأشكال أكثر تعقيدًا.
منطق القوة لا يكفي
لقد أثبتت التجارب اليمنية أن السيطرة العسكرية لا تنهي القضايا السياسية.
فكلما أُغلقت أبواب السياسة، فتحت أبواب الشارع، وكلما جرى تجاهل المطالب الشعبية، تحولت المطالب إلى شعارات أكثر حدة، وكلما تم التعامل مع القوى المحلية باعتبارها أدوات قابلة للاستبدال، ازداد البحث عن بدائل خارج منظومة النفوذ القائمة.
ولهذا فإن السعودية أمام اختبار حقيقي في الجنوب: هل تريد بناء شراكة سياسية، أم إدارة منطقة نفوذ؟
الفرق بين الخيارين هو الفرق بين الاستقرار طويل الأمد والأزمة المؤجلة.
النهاية التي لم تُكتب بعد
السياسة السعودية في الجنوب لم تصل بعد إلى نهايتها، لكن الطريق الذي تسلكه الرياض سيحدد شكل المرحلة المقبلة.
فإذا اتجهت السعودية نحو حوار جنوبي شامل، واحترمت خصوصية القضية الجنوبية، وفتحت المجال أمام مختلف القوى للتعبير عن رؤاها، فقد تتحول من طرف مؤثر في الصراع إلى طرف راعٍ لتسوية تاريخية.
أما إذا استمرت السياسة على أساس إعادة توزيع النفوذ، وإدارة الجنوب أمنيًا، وصناعة مراكز قوى بديلة، فإنها قد تجد نفسها أمام واقع أكثر تعقيدًا؛ واقع لا تستطيع فيه القوة وحدها إنتاج الاستقرار.
فالجنوب ليس فراغًا سياسيًا يمكن ملؤه، ولا ورقة أمنية يمكن تحريكها، ولا ساحة يمكن إعادة رسمها من الخارج. إنه قضية سياسية وشعب يبحث عن ضمانات حقيقية لمستقبله.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا:
هل تقود السياسة السعودية الجنوب نحو تسوية عادلة تفتح باب المستقبل، أم أن إدارة الأزمة بهذه الطريقة ستدفع الجميع إلى طريقٍ مجهول؟
الإجابة لن تحدد مستقبل الجنوب وحده، بل قد تحدد شكل اليمن والمنطقة بأكملها خلال السنوات القادمة.

فيديو