من ساحات الدم إلى طاولة الصفقات: هل يدفع الجنوبيون ثمن الحسابات السعودية؟

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن ، عين الجنوب||خاص              

في اليمن، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا من مجرد حرب بين طرفين. فخلف خطوط النار تتحرك حسابات إقليمية واسعة، تتغير فيها التحالفات، وتتبدل الأولويات، وتصبح دماء المقاتلين أحيانًا جزءًا من أوراق التفاوض السياسي.
وفي قلب هذه المعادلة تقف القوات الجنوبية، وفي مقدمتها ألوية العمالقة الجنوبية، التي خاضت خلال السنوات الماضية معارك دامية ضد الحوثيين، وقدمت أعدادًا كبيرة من القتلى والجرحى. ومع إعادة ترتيب المشهد العسكري والسياسي في الجنوب خلال عام 2026، برز سؤال أكثر إلحاحًا: هل أصبحت القوات الجنوبية ورقة تستخدمها القوى الإقليمية في صراعاتها، ثم يجري التخلي عنها عندما تتغير الحسابات؟
المشهد العسكري نفسه شهد تحولات كبيرة. فقد أشارت دراسات حديثة إلى أن الرياض عملت منذ بداية 2026 على إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية في المناطق الخاضعة للحكومة، وشملت هذه العملية ألوية العمالقة وقوات درع الوطن وغيرها من التشكيلات.
وهنا تبرز المفارقة.
فالقوات التي يُطلب منها الذهاب إلى الجبهات عندما تشتد المعارك، ويُنتظر منها أن تكون رأس الحربة في مواجهة الحوثيين، تجد نفسها في الوقت ذاته أمام إعادة رسم مستمرة لخريطة النفوذ والولاءات والقيادات.
دماء في الميدان.. وحسابات في الغرف المغلقة
الجندي الجنوبي لا يذهب إلى المعركة وهو يحمل دفترًا للحسابات السياسية. يذهب دفاعًا عن موقعه ويعتقد انه يدافع عن عقيده بينما تجلس القوى السياسية والإقليمية إلى طاولات التفاوض وهي تعيد حساباتها وفقًا لموازين المصالح.
وهذه هي المعضلة التي تثير غضب الشارع الجنوبي: لماذا تكون دماء الجنوبيين مطلوبة عندما تكون المعركة مشتعلة، بينما تصبح قضيتهم السياسية عبئًا عندما تبدأ مرحلة التفاوض؟
إن ألوية العمالقة تحديدًا أصبحت واحدة من أبرز التشكيلات العسكرية في المعسكر المناهض للحوثيين، وتصفها التحليلات بأنها قوة تمتلك قدرات هجومية وتسليحية كبيرة.
لكن القوة العسكرية وحدها لا تمنح أصحابها بالضرورة القرار السياسي.
وهنا يكمن الخطر.
فإذا كانت القوات الجنوبية تمتلك القدرة على القتال، لكنها لا تمتلك قرار تحديد وجهة الحرب وأهدافها السياسية، فإنها قد تتحول من قوة تحمي مصالح أهلها إلى قوة تُستدعى وفق الحاجة ثم تُعاد إلى الهامش بعد انتهاء المهمة.
السعودية وإيران.. هل تتغير قواعد اللعبة؟
في خضم التحولات الإقليمية، تبرز إيران والحوثيون كعامل أساسي في الحسابات السعودية.

المؤكد أن الحرب اليمنية نفسها دخلت مرحلة مختلفة، وأن خارطة القوى المناهضة للحوثيين أعيد تشكيلها بصورة كبيرة خلال 2026. كما أن الحوثيين ما زالوا يحتفظون بقدرات عسكرية كبيرة، فيما يشهد غرب اليمن تصعيدًا جديدًا وفق تقارير حديثة.
ومن هنا يمكن فهم المخاوف الجنوبية: إذا قررت القوى الإقليمية أن الأولوية أصبحت منع توسع الحرب أو الوصول إلى تفاهمات تخفف الخطر الحوثي، فمن سيكون صاحب الثمن؟
وهل ستكون القوات الجنوبية مرة أخرى هي الطرف الذي يدفع الفاتورة البشرية والسياسية؟
من محاربة الحوثي إلى إعادة ترتيب الجنوب
المشكلة ليست في إعادة تنظيم القوات من حيث المبدأ، فوجود مؤسسة عسكرية أكثر تنظيمًا ووضوحًا قد يكون مطلبًا مشروعًا.
لكن السؤال الحقيقي هو: من يقرر؟ ولصالح من؟
فإذا كان الهدف هو بناء مؤسسة عسكرية وطنية، فيجب أن تكون الأولوية لحماية الأرض والسكان، وأن تكون قرارات الحرب والسلم خاضعة لمؤسسات واضحة، لا لحسابات خارجية متغيرة.
أما إذا أصبحت إعادة الهيكلة وسيلة لإعادة توزيع النفوذ وإضعاف طرف جنوبي لصالح طرف آخر، فإنها لن تنتج استقرارًا، بل ستؤسس لجولة جديدة من الصراع.
وقد أشارت تحليلات متخصصة إلى أن الرياض تسعى إلى توحيد وإعادة تنظيم القوى المناهضة للحوثيين تحت ترتيبات قيادة أكثر مركزية، مع استمرار وجود تشكيلات ذات تاريخ وولاءات مختلفة.
وهذا يعني أن المعركة الحقيقية ليست عسكرية فقط؛ إنها معركة على من يملك القرار العسكري في جنوب اليمن ومن يحدد وجهة السلاح الجنوبي.
الجنوبيون ليسوا وقودًا لأي صفقة
الجنوب دفع ثمنًا باهظًا خلال سنوات الحرب.
ومن حق الجنوبيين أن يسألوا بوضوح:
إذا كان المطلوب من أبنائنا أن يقاتلوا الحوثيين، فمن يضمن ألا تتحول تضحياتهم إلى ورقة تفاوض؟
وإذا كان المطلوب إعادة ترتيب القوات، فمن يضمن ألا يكون الهدف إفراغ الجنوب من قوته العسكرية الفاعلة؟
وإذا كانت هناك تسويات إقليمية قادمة، فأين موقع القضية الجنوبية منها؟
هذه الأسئلة ليست دعوة إلى الحرب، بل دعوة إلى الوضوح.
فالسلام الحقيقي لا يُبنى على تجاهل قضية سياسية، ولا على إلغاء طرف، ولا على استخدام مقاتلين ثم تركهم أمام نتائج قرارات لم يشاركوا في صناعتها.
المرحلة المقبلة.. اختبار حقيقي
اليمن يقف أمام مرحلة شديدة الحساسية.
الحوثيون ما زالوا قوة عسكرية مؤثرة، والمعسكر المناهض لهم يعاني من تعدد مراكز القرار، بينما تستمر القوى الإقليمية في إعادة ترتيب أوراقها.
وفي هذا المشهد، ستكون القوات الجنوبية أمام اختبار تاريخي: هل تبقى مجرد قوة عسكرية تُستدعى عند الحاجة، أم تتحول إلى مؤسسة ذات قرار واضح ومصالح واضحة وحقوق واضحة؟
إن دماء المقاتلين الجنوبيين لا ينبغي أن تكون مجرد أرقام في تقارير الحرب، ولا أوراقًا على طاولات التفاوض.
فالذين ذهبوا إلى الجبهات لم يذهبوا بحثًا عن صفقة سياسية، بل ذهبوا وهم يعتقدون أنهم يدافعون عن أرضهم وكرامتهم ومستقبلهم.
ولهذا فإن أي تسوية إقليمية مقبلة، أياً كان أطرافها، يجب ألا تُبنى على حساب دماء اليمنيين، وألا يكون الجنوب هو الحلقة الأسهل التي يجري التضحية بها عندما تتغير المصالح.
فالجنوب ليس صندوق ذخيرة في يد أحد، وأبناء الجنوب ليسوا وقودًا لمعارك الآخرين، ودماء الشهداء لا ينبغي أن تتحول إلى عملة في سوق الصفقات السياسية.

فيديو