الجنوب أولى بأبنائه.. لا تجعلوهم وقودًا لمستنقع الغدر الشمالي

تقارير - منذ 56 دقيقة

عدن ، عين الجنوب || خاص           

في لحظة تتداخل فيها الحسابات السياسية والعسكرية، وتزداد فيها الدعوات إلى تحريك القوات الجنوبية نحو جبهات بعيدة عن أرضها، تبرز حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن أحد: دفاع أبناء الجنوب عن أرضهم وحدودهم وأمنهم أولوية لا يمكن مقايضتها بأي حساب سياسي أو عسكري.
لقد دفع الجنوب وأبناؤه ثمنًا باهظًا خلال عقود من الصراعات والحروب. وسقط الآلاف دفاعًا عن الأرض والكرامة، وتحملت المدن والقرى الجنوبية تبعات مواجهات لم تكن دائمًا نابعة من إرادة أبنائها. ولذلك فإن السؤال اليوم ليس: إلى أين يمكن إرسال القوات الجنوبية؟ بل: ما الذي يجب أن تحميه هذه القوات أولًا؟
الإجابة واضحة بالنسبة لكثير من أبناء الجنوب: الأرض التي يعيشون عليها، والحدود التي تحمي أمنهم، والمدن التي دفنوا فيها شهداءهم، والمناطق التي ظلت لعقود مسرحًا للصراعات والتجاذبات.
ليس من المنطق أن يُطلب من أبناء الجنوب ترك جبهاتهم ومناطقهم والذهاب إلى معارك بعيدة، بينما تبقى قضاياهم الأمنية والسياسية مفتوحة على احتمالات متعددة. فالجندي الذي يحمل السلاح دفاعًا عن وطنه وأهله يحتاج قبل كل شيء إلى قناعة بأن المعركة التي يخوضها تخدم أمن مجتمعه ومستقبله، لا أن يكون مجرد رقم في ترتيبات سياسية تتغير بتغير المصالح.
والجنوب ليس بحاجة إلى مزيد من الحروب المفتوحة بقدر حاجته إلى بناء مؤسسات أمنية وعسكرية قوية، قادرة على حماية حدوده وموانئه ومدنه ومقدراته، ومنع تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المختلفة.
أما الزج بالقوات الجنوبية في صراعات الشمال، من دون رؤية واضحة لنهاية الحرب أو ضمانات سياسية وعسكرية، فقد يعني الدخول في دائرة استنزاف طويلة لا يعرف أحد أين تنتهي. فالتاريخ القريب أثبت أن كثيرًا من القوى اليمنية المتصارعة تستطيع أن تعقد التحالفات عندما تحتاج إلى القوة، ثم تعيد حساباتها عندما تتغير موازين المصالح.
ولهذا فإن أبناء الجنوب أمام مسؤولية تاريخية: ألا يسمحوا بتحويل تضحياتهم إلى وقود لمعارك لا تخدم قضيتهم ولا تحمي أرضهم.
وهذا لا يعني بالضرورة التخلي عن مواجهة الخطر الحوثي أو تجاهل ما يجري في الشمال، وإنما يعني أن لكل قضية أولوياتها وحساباتها. فإذا كان الخطر يهدد الجنوب مباشرة، فالدفاع عن الجنوب يصبح واجبًا وأولوية. وإذا كانت هناك معركة وطنية شاملة، فيجب أن تكون لها قيادة واضحة وقرار سياسي واضح وأهداف محددة وضمانات حقيقية، لا أن تتحول القوات الجنوبية إلى قوة متقدمة في معارك مفتوحة النهاية.
إن أبناء الجنوب ليسوا أقل حرصًا على أمن المنطقة، ولا أقل استعدادًا لمواجهة الأخطار، لكنهم يريدون أن يكون قرارهم العسكري مرتبطًا بمصلحة شعبهم وأرضهم، لا بصفقات سياسية لا يعرفون تفاصيلها.
لقد آن الأوان لأن يُنظر إلى القوات الجنوبية باعتبارها قوة لها قضية وأرض ومجتمع، وليس مجرد قوة يمكن نقلها من جبهة إلى أخرى كلما احتاجت الأطراف المتصارعة إلى مقاتلين.
فالجنوب الذي يطالب أبناؤه بحماية أرضهم لا يرفض التضحية، وإنما يرفض أن تكون التضحية بلا هدف. ولا يهرب من مواجهة الخطر، وإنما يريد أن يعرف: من المستفيد من هذه الحرب؟ وما نهايتها؟ ومن يضمن حقوق أبنائه بعد انتهاء المعركة؟
إن أعظم مسؤولية تقع على عاتق أي قوة عسكرية هي حماية الأرض التي تنتمي إليها، وصون أمن أهلها، والحفاظ على دماء أبنائها. ومن هنا فإن الدفاع عن حدود الجنوب ومناطقه ومدنه ومقدراته يجب أن يأتي في مقدمة الأولويات.
أما تحويل أبناء الجنوب إلى قوة تُستدعى عند الحاجة ثم تُترك أمام استحقاقات ما بعد الحرب، فهو مسار يجب التفكير فيه مليًا قبل الإقدام عليه.
فالدم الجنوبي ليس رخيصًا، والجندي الجنوبي ليس وقودًا لمعارك الآخرين، وتضحيات الشهداء ليست ورقة تفاوض على طاولة السياسة.
الجنوب أولًا، وأمنه أولًا، وأبناؤه أولى بأرضهم وحدودهم.
ومن أراد شراكة حقيقية، فليبدأ بالاعتراف بحق الجنوب في تحديد أولوياته ومصيره وقراره، وليكن التعاون قائمًا على الندية والوضوح والاحترام، لا على استدعاء القوة الجنوبية كلما اشتدت المعارك ثم تجاهل مطالبها عندما تهدأ البنادق.
إن حماية الجنوب ليست انعزالًا عن محيطه، وليست تخليًا عن القضايا الأخرى، بل هي حق طبيعي لأي شعب يريد أن يحمي أرضه وأمنه ومستقبله.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأوضح: لا تجعلوا أبناء الجنوب وقودًا لمستنقع لا يعرفون أين ينتهي؛ فالأرض التي حملت أبناءها في أوقات المحن تستحق أن يكونوا أول من يدافع عنها، والدماء التي سالت على تراب الجنوب تستحق أن تكون لها الأولوية قبل أي معركة أخرى.

فيديو