دماء الجنوبيين على الساحل الغربي.. في ذمة من تقع مسؤولية الخيانة والخذلان؟

دراسات وتحليلات - منذ 3 ساعات

عدن |عين الجنوب |خاص .    
تعود قضية دماء أبناء الجنوب التي أُريقت في جبهات الساحل الغربي إلى واجهة المشهد السياسي والعسكري، لتطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: من يتحمل مسؤولية الزج بالمقاتلين الجنوبيين في معارك لا تنسجم بالضرورة مع أولويات قضيتهم الوطنية؟ ومن يتحمل تبعات الخسائر البشرية التي تتكرر بينما تظل الأسئلة السياسية معلقة بلا إجابات واضحة؟.

ففي السنوات الماضية، دفعت تشكيلات وقوات جنوبية بأعداد كبيرة من أبنائها إلى جبهات مختلفة، وكان الساحل الغربي واحدًا من أبرز ميادين القتال التي شهدت سقوط قتلى وجرحى من أبناء الجنوب. وبينما يرى أنصار المشاركة في تلك الجبهات أن مواجهة الحوثيين تمثل جزءًا من المعركة العسكرية الأوسع، يرى منتقدون أن القضية لا تتعلق بمبدأ مواجهة الحوثي بقدر ما تتعلق بهوية المعركة، وأهدافها، ومن يقرر أين يقاتل أبناء الجنوب ولماذا.

وهنا تتسع دائرة التساؤلات: هل كان أبناء الجنوب يقاتلون دفاعًا عن أرضهم ومشروعهم السياسي، أم جرى توظيف تضحياتهم في معارك تخدم حسابات قوى أخرى؟ وهل كانت التضحيات الجنوبية تُقابل بموقف سياسي واضح يحفظ لأصحابها حقوقهم ويضع قضية الجنوب في مقدمة أولويات التسوية، أم أن الدم الجنوبي أصبح مجرد رقم في معادلة عسكرية وسياسية شديدة التعقيد؟
إن أخطر ما في هذه القضية ليس فقط حجم الخسائر البشرية، وإنما غياب الإجابة السياسية عن سؤال جوهري: ماذا حصل الجنوب مقابل كل تلك التضحيات؟.

فالمقاتل الجنوبي الذي يترك أسرته ويتوجه إلى جبهة القتال لا يحمل معه بندقية فقط، بل يحمل ثقة أهله ومجتمعه، ويعتقد أن تضحياته تصب في قضية واضحة. ولذلك فإن سقوطه لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة عابرة، أو خبر مؤقت، أو رقم يضاف إلى قوائم الخسائر، بل يجب أن يكون مدخلًا لمراجعة شاملة للسياسات التي تحدد ساحات القتال وأهدافه.

ويرى منتقدون أن استمرار إرسال أبناء الجنوب إلى جبهات خارج نطاق جغرافية الجنوب، في الوقت الذي ما تزال فيه قضاياهم السياسية والأمنية والاقتصادية دون حلول، يفرض إعادة النظر في مفهوم المشاركة العسكرية نفسها. فالمسألة، وفق هذا الطرح، ليست رفضًا لمواجهة الحوثيين، وإنما رفض لأن يتحول الجنوبي إلى وقود لحرب لا يملك قرار تحديد نهايتها أو ثمنها السياسي.

وفي الساحل الغربي تحديدًا، تبدو المفارقة أكثر وضوحًا؛ إذ تقاتل قوى متعددة تحت عناوين مختلفة، وتتداخل الأهداف والتحالفات والحسابات الإقليمية، بينما يتحمل المقاتل الموجود في الخندق الجزء الأكبر من المخاطر. وفي مثل هذه البيئة، يصبح السؤال عن صاحب القرار العسكري والسياسي سؤالًا مشروعًا، خصوصًا عندما تكون الخسائر من أبناء منطقة، بينما العوائد السياسية المحتملة قد تذهب إلى أطراف أخرى.

ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين الواجب الوطني في مواجهة التهديدات وبين استخدام التضحيات لتحقيق أهداف سياسية لا تحظى بإجماع أصحاب تلك التضحيات. فالدم لا ينبغي أن يكون أداة للمساومة السياسية، ولا ينبغي أن تتحول الشهادة إلى وسيلة لتغطية غياب الرؤية أو وضوح الأهداف.

ويطرح هذا الواقع أيضًا مسؤولية القيادات السياسية والعسكرية الجنوبية، التي تواجه اختبارًا تاريخيًا في كيفية حماية أبنائها، وتحديد ساحات المواجهة، وضمان ألا تكون التضحيات منفصلة عن المشروع السياسي الذي ينشده الجنوبيون. فكل شهيد يسقط في أي جبهة يفتح سؤالًا جديدًا أمام صناع القرار: هل كانت مهمته ضرورية؟ هل كانت أهداف المعركة واضحة؟ وهل كان هناك تصور سياسي لما بعد المعركة؟.

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة لحماية ما تبقى من الثقة بين المواطن والقيادة، وبين المقاتل والقرار السياسي. فالجندي الذي يقدم حياته من حقه أن يعرف لأجل ماذا يقاتل، ومن أجل أي هدف تُطلب منه التضحية.

أما تحويل كل نقد لهذه السياسة إلى اتهام برفض مواجهة الحوثيين، فهو تبسيط لقضية شديدة التعقيد. فهناك فرق بين رفض العدو وبين رفض طريقة إدارة المعركة، وبين التضحية دفاعًا عن الأرض وبين التضحية في معركة لا يعرف المقاتل نتائجها السياسية. وقد يكون من أكثر الأسئلة إيلامًا أن يسأل أهل شهيد جنوبي: لماذا ذهب ابننا إلى تلك الجبهة؟ وماذا تحقق بعد سقوطه؟.

ومن زاوية أخرى، فإن الحديث عن "الخيانة والخذلان" يجب أن يبقى في إطار التقييم السياسي والأخلاقي، لا الاتهام القضائي، ما لم تتوافر أدلة موثقة تثبت مسؤولية أشخاص أو جهات بعينها. لكن ذلك لا يمنع من مساءلة السياسات والقرارات التي أدت إلى خسائر بشرية، ولا يمنع الرأي العام من المطالبة بكشف الحقائق ومراجعة مسار المشاركة العسكرية.

لقد آن الأوان، وفق هذا الطرح، لأن تصبح دماء أبناء الجنوب قضية قرار لا قضية أرقام، وأن تتم مراجعة كل جبهة وكل مهمة وكل اتفاق عسكري على أساس سؤال واحد: هل تخدم هذه المشاركة أمن الجنوب ومصالح أبنائه وقضيته السياسية، أم أنها تخدم أجندات أخرى؟.

فدماء الشهداء ليست ملكًا للقيادات، ولا للأحزاب، ولا للتحالفات، ولا يمكن اختزالها في بيانات النعي. إنها أمانة في أعناق من اتخذوا قرار الحرب، وأمانة في ذاكرة أسر الشهداء، وأمانة في وجدان المجتمع الذي دفع أبناءه إلى ساحات القتال.
ولهذا فإن السؤال سيظل قائمًا، وبصوت أعلى: من يحاسب عندما يسقط الجنوبي في جبهة بعيدة عن أرضه؟ ومن يجيب أسرته عندما تعود إليها صورة الشهيد بدلًا من عودته؟ ومن يضمن ألا تتحول دماء أبناء الجنوب إلى مجرد ورقة في صراعات سياسية لا تنتهي؟
إن حماية المقاتل الجنوبي تبدأ من حماية القرار الذي يدفعه إلى الجبهة. وحماية دماء الشهداء تبدأ من وضوح الهدف الذي سقطوا من أجله. أما استمرار النزيف دون رؤية سياسية واضحة، فهو ما يفتح الباب أمام مزيد من الأسئلة والشكوك والاتهامات، ويجعل قضية الساحل الغربي واحدة من أكثر الملفات التي تحتاج إلى مراجعة صريحة ومسؤولة وشفافة.
وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: كم شهيدًا سقط؟.

بل يجب أن يكون السؤال الأكبر: لماذا سقطوا، ومن قرر إرسالهم، وماذا تحقق من تضحياتهم، وهل كان الثمن الذي دفعوه متناسبًا مع الهدف الذي قاتلوا من أجله؟
تلك أسئلة لا يمكن دفنها مع الشهداء، ولا يمكن أن تُغلق ببيان نعي، لأنها تتعلق بحق مجتمع كامل في معرفة حقيقة القرارات التي صنعت الحرب، وبحق أسر الشهداء في معرفة قيمة التضحيات التي قدمها أبناؤهم.

فيديو