باب المندب على حافة الخطر.. تمدد الحوثيين نحو أهم ممرات الملاحة يفتح أبواب مواجهة إقليمية خطيرة

السياسة - منذ 3 ساعات

عدن | عين الجنوب|خاص.      
يمثل باب المندب واحدًا من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، ليس بالنسبة لليمن والمنطقة فحسب، بل لحركة التجارة الدولية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ومن هنا فإن أي تطور عسكري أو سياسي يمنح جماعة الحوثيين قدرة أكبر على التأثير في هذا الممر البحري لا يمكن التعامل معه باعتباره شأنًا يمنيًا داخليًا، بل باعتباره تطورًا ذا تداعيات إقليمية ودولية واسعة.

وتزداد خطورة المشهد مع استمرار امتلاك الحوثيين قدرات صاروخية وطائرات مسيرة، واستخدامهم خلال السنوات الأخيرة للتهديدات والهجمات البحرية كورقة ضغط في الصراع الإقليمي.

وإذا تمكنت الجماعة من توسيع نطاق نفوذها العسكري والسياسي باتجاه المناطق المطلة على باب المندب والساحل الغربي، فإن معادلة الأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن قد تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا.

ولا تكمن الخطورة في مجرد السيطرة على مساحة جغرافية، وإنما في امتلاك القدرة على التأثير في حركة السفن التجارية والعسكرية التي تمر عبر أحد أهم الممرات التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. فباب المندب ليس مجرد مضيق، بل نقطة اتصال بين طرق بحرية وتجارية تمتد من آسيا إلى أوروبا مرورًا بقناة السويس.

ومن منظور استراتيجي، فإن اقتراب أي قوة مسلحة من فرض نفوذ مستدام على الساحل المقابل للمضيق يمنحها أوراق ضغط تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية.

فكلما اتسعت القدرة على تهديد الملاحة، ارتفعت تكلفة التأمين والنقل، واضطرت شركات الشحن إلى إعادة حساب مساراتها، وهو ما يمكن أن ينعكس على الاقتصاد العالمي وأسعار السلع والطاقة.

وتكشف تجربة السنوات الماضية أن تهديد الملاحة وحده قادر على تغيير سلوك شركات النقل الدولية، حتى دون وجود سيطرة بحرية كاملة. ولذلك فإن السيناريو الأخطر لا يتمثل بالضرورة في إغلاق باب المندب بصورة مباشرة، وإنما في تحويل المنطقة المحيطة به إلى مساحة عالية المخاطر، بحيث تصبح الملاحة فيها مرتبطة دائمًا باحتمالات الهجمات والتصعيد.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الساحل الغربي لليمن بوصفه خط الدفاع المتقدم عن أحد أهم الممرات البحرية الدولية. فاستقرار الساحل لا يرتبط فقط بالوضع العسكري داخل اليمن، وإنما بأمن البحر الأحمر وخليج عدن وحركة التجارة بين الشرق والغرب.

ويرى مراقبون أن استمرار الانقسام اليمني وغياب تسوية سياسية شاملة قد يمنح الحوثيين فرصة للحفاظ على نفوذهم العسكري، خصوصًا إذا ظلت الجبهات الأخرى تعاني من التشتت وتعدد القوى وتضارب الأولويات.

وفي المقابل، فإن أي استراتيجية فعالة لحماية باب المندب تحتاج إلى ترتيبات أمنية وسياسية واضحة تضمن عدم تحويل المضيق إلى ورقة ابتزاز في الصراعات الإقليمية.

كما أن القضية لا تتعلق بالحوثيين وحدهم؛ فالساحل الغربي أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح يمنية وإقليمية ودولية متعددة. ولذلك فإن التعامل مع خطر باب المندب يتطلب رؤية تتجاوز الحسابات العسكرية الضيقة، وتربط بين أمن الساحل وأمن الملاحة ومستقبل الدولة اليمنية وترتيبات الأمن الإقليمي.

ويحذر محللون من أن ترك الفراغات الأمنية في المناطق الساحلية قد يسمح للجماعة بتثبيت حضورها بصورة تدريجية، خصوصًا أن الجغرافيا الساحلية تمنح أي طرف مسلح يمتلك القدرات الصاروخية والمسيرة إمكانية تهديد أهداف بحرية بعيدة نسبيًا عن خطوط المواجهة البرية التقليدية.

وفي المقابل، فإن حماية باب المندب لا تعني تحويله إلى ساحة حرب مفتوحة، لأن استمرار التصعيد العسكري بالقرب من خطوط الملاحة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويزيد من المخاطر على المدنيين والاقتصاد اليمني، فضلًا عن دفع شركات الملاحة إلى البحث عن طرق بديلة أكثر كلفة.

ومن هنا تتضح معادلة شديدة الحساسية: كلما زادت قدرة الحوثيين على التأثير في باب المندب، ازدادت أهمية الساحل الغربي في الحسابات الإقليمية، وكلما تراجعت قدرة القوى المناوئة لهم على تأمين الساحل، اتسعت مساحة المخاطر أمام الملاحة الدولية.

والأخطر أن استمرار هذه المعادلة قد يجعل باب المندب رهينة للتطورات السياسية والعسكرية في اليمن. فبدل أن يكون المضيق ممرًا آمنًا للتجارة الدولية، يمكن أن يتحول إلى ورقة تفاوض وصراع تستخدمها الأطراف المختلفة لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية.

إن حماية باب المندب في نهاية المطاف ليست مسؤولية طرف واحد، بل قضية تتصل بأمن اليمن والمنطقة والمجتمع الدولي. وأي استراتيجية جادة يجب أن تقوم على منع احتكار القوة على السواحل والممرات البحرية، ودعم ترتيبات أمنية مستقرة، ومعالجة جذور الصراع اليمني بدل الاكتفاء بإدارة نتائجه.

وبينما تتجه الأنظار إلى البحر الأحمر، تبقى الرسالة الأهم أن باب المندب لا يحتمل المغامرات. فالممر الذي تعبر من خلاله مصالح اقتصادية وتجارية هائلة يمكن أن يتحول، إذا استمرت حالة التصعيد والفراغ السياسي، إلى واحدة من أخطر بؤر التوتر في المنطقة.

وهكذا، فإن الخطر الحقيقي لا يبدأ لحظة إعلان السيطرة على باب المندب، بل يبدأ عندما تصبح القدرة على تهديده أمرًا دائمًا ومعتادًا.

وعندها لن يكون السؤال: من يسيطر على المضيق؟ بل: من يمتلك القدرة على تعطيل الملاحة، وفرض كلفة سياسية واقتصادية على العالم بأسره؟
إنها معركة تتجاوز اليمن، لأن باب المندب بوابة استراتيجية لا تخص جغرافيا واحدة، وأي تحول جذري في ميزان القوة حوله قد يعيد رسم خريطة الأمن في البحر الأحمر وخليج عدن لسنوات طويلة.

فيديو