الرياض تواجه أزمة استراتيجية في إدارة نفوذها الإقليمي: اليمن والقضية الجنوبية كأوضح اختبار لفشل هذه المقاربة"

الجنوب - منذ 1 ساعة


عين الجنوب | توفيق جازوليت. 

التطورات المتسارعة في اليمن تكشف، بصورة متزايدة، عن أزمة أعمق في الاستراتيجية الإقليمية السعودية، وعن فجوة واضحة بين ما تريده الرياض وما تستطيع تحقيقه على الأرض. فالسعودية تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد: الحوثيون يوسعون قدرتهم العسكرية ويضغطون على العمق السعودي وعلى طرق الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، بينما القوات التابعة للحكومة اليمنية المدعومة من الرياض لم تتمكن من تحقيق الحسم الذي كانت السعودية تراهن عليه. وفي الوقت نفسه، تزداد صعوبة العلاقة مع الإمارات في الملف اليمني، بينما تتباعد حسابات واشنطن عن الحسابات السعودية.والأكثر دلالة أن الرياض طلبت من الولايات المتحدة دعماً عسكرياً مباشراً ضد الحوثيين، لكن واشنطن رفضت تنفيذ ضربات مباشرة، مكتفية بالدعم الاستخباراتي والمساعدة في الاستهداف. 

هذه التطورات تعني أن أدوات القوة السعودية لم تعد تنتج النتائج السياسية والاستراتيجية التي تريدها الرياض. المفارقة الكبرى أن السعودية تخوض مواجهة مع الحوثيين منذ سنوات، ومع ذلك تمكن الحوثيون في المرحلة الراهنة من توسيع نطاق التهديد ليشمل العمق السعودي والبنية التحتية النفطية والممرات البحرية الاستراتيجية. تقدم الحوثيين على الساحل الغربي لليمن وسيطرتهم على مواقع وجزر ذات أهمية استراتيجية بالقرب من باب المندب، في الوقت الذي تعرض فيه خط الأنابيب السعودي بين الشرق والغرب لهجوم وأصبح جزء مهم منه خارج الخدمة مؤقتاً. وهنا يفرض الواقع سؤالاً قاسياً على السياسة السعودية:

إذا كانت كل هذه السنوات من الدعم العسكري والسياسي لم تنتج حسمًا ضد الحوثيين، فلماذا تستمر الرياض في التعامل مع المعادلة اليمنية بالأدوات نفسها؟

فالحرب لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والأسلحة، وإنما بقدرة الدولة على تحويل القوةالعسكرية إلى نتيجة سياسية مستدامة. وهذا تحديداً ما فشلت الرياض في تحقيقه في اليمن.

أما الجنوب، فهنا تكمن المفارقة الأكبر .الخطأ الاستراتيجي الأكثر كلفة هو أن الرياض لا تزال تتعامل مع القضية الجنوبية بمنطق مختلف عن منطقها في التعامل مع الحوثيين. فالجنوب الذي كان، ولا يزال، أحد أهم المكونات العسكرية والسياسية المناهضة للحوثيين، يجد نفسه أمام موقف سعودي رافض تجاه استعادة دولته وتقرير مستقبله السياسي.
وهذا يخلق مفارقة يصعب تبريرها استراتيجياً: السعودية تحتاج إلى الجنوب في مواجهة الحوثيين، لكنها لا تريد أن تمنح القضية الجنوبية الاعتراف السياسي الذي يتناسب مع وزنها الشعبي والعسكري والتاريخي.

فالقضية الجنوبية لم تظهر اليوم، ولم تكن مجرد نتيجة للتنافس السعودي ــ الإماراتي. إنها قضية سياسية متجذرة منذ حرب 1994، ولها امتدادات تاريخية وقانونية تتعلق بطبيعة الوحدة اليمنية، وبالحرب التي أعادت تشكيل العلاقة بين الشمال والجنوب بالقوة، وبحق شعب الجنوب في تقرير مستقبله السياسي.

ومن ثم فإن استمرار الرياض في محاولة إبقاء القضية الجنوبية داخل إطار الوحدة بالقوة السياسية أو الأمنية لا يؤدي إلى حلها، وإنما يؤجل الانفجار السياسي ويعمق فقدان الثقة بين الجنوب والسعودية…لذلك فالسعودية تخسر الجنوب من دون أن تكسب صنعاء

المشكلة الأكثر خطورة أن السياسة السعودية قد تؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً. فبدلاً من أن تكون الرياض قريبة من الجنوب باعتباره عمقاً جغرافياً وأمنياً واستراتيجياً لها، يشعر جزء واسع من الجنوبيين بأن السعودية تقف ضد إرادتهم السياسية.

وفي المقابل، لم تتمكن القوى التي دعمتها الرياض من إنهاء سيطرة الحوثيين أو تحقيق مشروع الدولة اليمنية الموحدة الذي تراهن عليها السعودية 

و بعبارة أكثر أكثر وضوحاً: إذا كانت الرياض لا تريد استعادة دولة الجنوب، لكنها في الوقت نفسه عاجزة عن إعادة اليمن إلى الدولة الموحدة التي تتصورها، فما هو البديل الذي تقدمه للجنوب؟

هذا هو السؤال الذي لم تقدم السياسة السعودية إجابة مقنعة عنه…..أما العلاقة مع الإمارات، فإنها تكشف بدورها حدود القدرة السعودية على إدارة الملف اليمني باعتباره مشروعاً خليجياً موحداً.
فالرياض وأبوظبي دخلتا الحرب في إطار تحالف واحد، لكن حساباتهما تجاه الجنوب والقوى المحلية اختلفت بصورة واضحة. وقد أصبحت التباينات السعودية ــ الإماراتية في اليمن جزءاً من بنية الصراع نفسه، بدلاً من أن تكون مجرد اختلاف تكتيكي بين حليفين. 

وهنا تتحول القضية إلى مشكلة استراتيجية: عندما تختلف قوتان خليجيتان رئيسيتان حول مستقبل اليمن، وتتنافسان على النفوذ داخل المعسكر المناهض للحوثيين، فإن المستفيد الطبيعي هو الطرف الأكثر تنظيماً وتماسكاً داخل الحرب…وهذا الطرف هو الحوثي.

ثم تأتي الولايات المتحدة لتكشف حدود الرهان السعودي على الحماية الخارجية. فرفض واشنطن توجيه ضربات مباشرة للحوثيين، رغم طلب الرياض، يمثل رسالة استراتيجية مهمة: الولايات المتحدة مستعدة لمساعدة السعودية، لكنها ليست مستعدة بالضرورة لخوض الحرب التي تريدها السعودية. وهذا يعني أن الرياض لا تستطيع بناء استراتيجيتها الإقليمية على افتراض أن واشنطن ستتدخل عسكرياً كلما واجهت السعودية تهديداً كبيراً.

الرياض بحاجة إلى مراجعة استراتيجية ، إن استمرار السياسة السعودية الحالية يحمل مخاطرة حقيقية: إضعاف الجنوب سياسياً، من دون إضعاف الحوثي عسكرياً؛ وإبعاد الإمارات، من دون امتلاك بديل أكثر فاعلية؛ والاعتماد على قوى يمنية من ضمنها الإصلاح الاخواني لم تستطع تحقيق الحسم؛ ثم طلب تدخل أمريكي مباشر عندما يصل التهديد إلى العمق السعودي.

هذه ليست مجرد أخطاء تكتيكية متفرقة، وإنما مؤشر على أزمة في الرؤية الاستراتيجية. والأخطر من ذلك أن استمرار رفض الرياض لإرادة الجنوب قد يحول قضية كان يمكن أن تكون فرصة لبناء شراكة سعودية ــ جنوبية إلى مصدر جديد للتوتر وانعدام الثقة.

إن السعودية لا تستطيع أن تطلب من الجنوب أن يكون حليفاً عسكرياً عندما تحتاج إليه، ثم تتعامل معه كخصم سياسي عندما يطالب بحقه في تقرير مستقبله.ولا يمكن للرياض أن تنتصر على الحوثي وهي تتجاهل أحد أهم القوى التي قاتلته على الأرض. لذلك فإن المصلحة السعودية نفسها تقتضي إعادة النظر في الموقف من القضية الجنوبية، والانتقال من سياسة الاحتواء والرفض إلى سياسة الاعتراف بالواقع، والحوار المباشر، والبحث عن تسوية سياسية وقانونية عادلة تضمن للجنوب حقه في تقرير مستقبله.

فالجنوب ليس المشكلة التي ينبغي على الرياض احتواءها؛ بل قد يكون جزءاً من الحل الذي تحتاجه السعودية اليوم.وإذا استمرت الرياض في رفض إرادة الجنوب، فقد تجد نفسها أمام مفارقة تاريخية: تخسر الجنوب سياسياً، من دون أن تنجح في هزيمة الحوثي عسكرياً.

وهنا تحديداً يصبح تغيير المسار ليس تنازلاً سعودياً للجنوب، وإنما دفاعاً عن المصلحة الاستراتيجية السعودية نفسها.

من صفحة الإعلامي والقانوني المغربي. الدكتور توفيق جازوليت

دكتور Gazoulit Taoufiq

فيديو