المخا وباب المندب.. شريان التهريب الذي قد يحوّل البحر إلى بوابة للسلاح للحوثي

الجنوب - منذ ساعتان

عين الجنوب خاص                   
تعود المخا وباب المندب إلى واجهة المشهد الأمني والعسكري في اليمن، ليس باعتبارهما مجرد موقعين جغرافيين على خارطة الصراع، وإنما باعتبارهما نقطة تماس حساسة بين البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، وممرًا بحريًا يمكن أن يتحول، في ظل ضعف الرقابة واتساع نشاط شبكات التهريب، إلى بوابة خطرة لحركة الأسلحة والمعدات العسكرية.
وتزداد المخاوف مع استمرار الحرب في اليمن واتساع شبكات التهريب عبر السواحل، إذ يرى مراقبون أن أي ثغرات أمنية في الشريط الساحلي الممتد من البحر الأحمر إلى باب المندب يمكن أن تستغلها شبكات منظمة لنقل أسلحة ومكونات عسكرية إلى أطراف الصراع، بما فيها جماعة الحوثيين، خصوصًا أن الجماعة سبق أن اعتمدت بدرجات مختلفة على شبكات تهريب بحرية وبرية للحصول على احتياجات عسكرية يصعب الحصول عليها عبر القنوات الرسمية.
وتكمن خطورة باب المندب في طبيعته الجغرافية والاستراتيجية؛ فهو ليس مجرد ممر للسفن التجارية، بل أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. وأي خلل أمني في هذه المنطقة لا ينعكس على اليمن وحده، وإنما يمكن أن يمتد تأثيره إلى أمن الملاحة الدولية ودول المنطقة بأكملها.
أما المخا، فتملك موقعًا ساحليًا بالغ الحساسية يجعلها جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن البحري في الساحل الغربي. ومن هنا فإن استمرار نشاط التهريب، إن لم تتم مواجهته بصورة فعالة، قد يخلق بيئة تسمح بمرور شحنات مشبوهة أو مكونات تستخدم في تصنيع وتطوير الأسلحة، قبل أن تجد طريقها إلى مناطق سيطرة الحوثيين.
القرن الأفريقي.. الضفة الأخرى للمعادلة
لا يمكن النظر إلى ملف التهريب في البحر الأحمر بمعزل عن الضفة الأفريقية المقابلة. فالمياه الممتدة بين القرن الأفريقي واليمن تشهد حركة بحرية واسعة، تشمل الصيد والتجارة والنقل البحري، وهو ما يجعل التمييز بين الحركة المشروعة والأنشطة غير القانونية تحديًا أمنيًا كبيرًا.
ويرى مراقبون أن بعض شبكات التهريب قد تستغل هذا النشاط البحري الواسع لإخفاء عمليات نقل غير قانونية، مستفيدة من تعدد القوارب والمسارات البحرية وصعوبة مراقبة كامل السواحل اليمنية. وإذا ما وصلت الأسلحة أو مكوناتها إلى السواحل اليمنية، فإنها قد تنتقل لاحقًا عبر شبكات برية إلى مناطق بعيدة عن الساحل.
وهنا تظهر خطورة المسألة: فالمشكلة لا تتعلق فقط بالقارب الذي يحمل شحنة مشبوهة، وإنما بشبكة متكاملة تبدأ من مصدر السلاح، مرورًا بالوسيط البحري، وانتهاءً بالجهة التي تستلم الشحنة وتعمل على نقلها وتخزينها وإعادة توزيعها.
الحوثيون والبحث عن طرق بديلة للسلاح
مع استمرار الضغوط الدولية ومحاولات تشديد الرقابة على عمليات نقل الأسلحة إلى الحوثيين، تصبح طرق التهريب غير التقليدية أكثر أهمية بالنسبة للشبكات التي تسعى إلى إيصال المعدات العسكرية إلى مناطق سيطرة الجماعة.
وهنا تبرز السواحل اليمنية كأحد التحديات الكبرى، بسبب طولها وتنوع تضاريسها ووجود مناطق يصعب فرض رقابة أمنية كاملة عليها. ولذلك فإن السيطرة على الساحل لا تعني فقط السيطرة على المدن والموانئ، بل تعني القدرة على مراقبة الشواطئ والمراسي الصغيرة والمسارات البحرية التي يمكن أن تستخدمها شبكات التهريب.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذه الثغرات قد يمنح الحوثيين قدرة أكبر على الوصول إلى مكونات عسكرية وتقنيات تستخدم في تطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة وغيرها من القدرات التي أصبحت جزءًا أساسيًا من أدوات الجماعة في الصراع.
المخا أمام اختبار أمني جديد
المخا اليوم أمام اختبار يتجاوز حدود المدينة نفسها. فموقعها يجعلها جزءًا من منظومة أمنية تمتد من الساحل الغربي إلى باب المندب، وأي ضعف في هذه المنظومة يمكن أن يفتح المجال أمام أنشطة تهريب يصعب احتواؤها لاحقًا.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى رفع مستوى التنسيق بين القوات العاملة على الساحل، وتشديد الرقابة على الممرات البحرية والمراسي، وتطوير وسائل الرصد البحري، إلى جانب التعاون الإقليمي والدولي لملاحقة شبكات التهريب التي تستفيد من الفوضى الممتدة في المنطقة.
كما أن مكافحة التهريب لا ينبغي أن تقتصر على اعتراض القوارب في البحر، بل يجب أن تستهدف الشبكات المالية واللوجستية التي تقف خلف عمليات النقل، لأن القضاء على الوسيط البحري وحده لن يؤدي بالضرورة إلى إنهاء النشاط إذا بقيت الشبكة التي تموله وتديره قائمة.
باب المندب.. أمن الجنوب يبدأ من البحر
بالنسبة للجنوب، يمثل باب المندب قضية أمن قومي بالغة الحساسية. فالممر البحري يقع في منطقة تتقاطع فيها المصالح اليمنية والإقليمية والدولية، وأي تحول فيه إلى مسار دائم لتهريب الأسلحة سيجعل المناطق الساحلية عرضة لمخاطر متزايدة.
ولا يتعلق الأمر بالحوثيين وحدهم، بل بمنظومة أوسع من المخاطر تشمل الجريمة المنظمة وتهريب السلاح والبشر والمخدرات، إضافة إلى مخاطر القرصنة والاضطرابات التي قد تهدد حركة الملاحة.
ولهذا فإن حماية باب المندب والمناطق المحيطة به تتطلب استراتيجية أمنية متكاملة، لا تعتمد على ردود الفعل بعد وصول الشحنات، وإنما تبدأ بالمراقبة المبكرة وتعقب المسارات البحرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية ورفع قدرات خفر السواحل والقوات البحرية.
معركة لا تُحسم بالمدافع وحدها
المعركة على باب المندب ليست معركة عسكرية تقليدية فقط؛ إنها معركة استخبارات ورقابة بحرية ومعلومات وتعاون إقليمي. فالتهريب بطبيعته يعتمد على السرية والمرونة وتغيير المسارات، ولذلك فإن مواجهته تحتاج إلى منظومة قادرة على اكتشاف النشاط المشبوه قبل وصوله إلى الساحل.
وفي المقابل، فإن ترك هذه المسارات مفتوحة قد يؤدي إلى نتيجة خطيرة تتمثل في استمرار تدفق الأسلحة والمكونات العسكرية إلى مناطق الصراع، بما يطيل أمد الحرب ويزيد من قدرة الأطراف المسلحة على تطوير أدواتها الهجومية.
ومن هنا، فإن المخا وباب المندب لا ينبغي التعامل معهما باعتبارهما مجرد خطوط على خارطة الحرب، بل باعتبارهما جبهة أمنية متقدمة. فكل ثغرة بحرية قد تتحول إلى منفذ لتهريب شحنة، وكل شحنة قد تدخل في سلسلة تسليح طويلة، وكل ضعف في الرقابة قد تكون كلفته أكبر بكثير من مجرد حادثة تهريب عابرة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تستطيع القوى المحلية والإقليمية والدولية إغلاق مسارات التهريب في البحر الأحمر والقرن الأفريقي قبل أن تتحول إلى شريان مستدام لإمداد الحوثيين بالسلاح والمكونات العسكرية؟
الإجابة لن تكون في البيانات وحدها، وإنما في قدرة الأطراف المعنية على فرض رقابة حقيقية على البحر والسواحل، وتجفيف منابع التهريب، وملاحقة الشبكات التي تقف خلفه، لأن أمن باب المندب لا يتعلق بميناء أو مدينة، بل بأمن الجنوب واليمن والمنطقة وحركة الملاحة الدولية بأسرها.

فيديو