إيران تعيد رسم طرق التجارة بعيداً عن هرمز.. تشابهار بوابة لعصر ما بعد المضيق

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب || خاص                

في ظل التوترات المتصاعدة حول مضيق هرمز، تتجه إيران إلى تعزيز خياراتها البرية والبحرية بما يقلل من اعتمادها على الممرات الواقعة في غرب البلاد، ويفتح أمامها مسارات بديلة باتجاه المحيط الهندي وآسيا الوسطى. وفي هذا السياق، يبرز مشروع خط سكة حديد تشابهار–زاهدان باعتباره أحد المشاريع الاستراتيجية التي يمكن أن تمنح طهران منفذاً تجارياً أكثر ارتباطاً بالمحيط الهندي بعيداً عن الممرات البحرية شديدة الحساسية.
ويمتد الخط لنحو 730 كيلومتراً، رابطاً ميناء تشابهار على بحر عُمان بمدينة زاهدان في جنوب شرق إيران، بما يتيح مستقبلاً ربط الميناء بشبكات النقل المتجهة نحو أفغانستان وآسيا الوسطى. ويضم المشروع شبكة واسعة من المنشآت الهندسية، بينها 33 محطة و39 نفقاً و201 جسر، ما يعكس الطبيعة الجغرافية المعقدة للمسار وحجمه الكبير.
وتكتسب تشابهار أهمية خاصة من موقعها خارج مضيق هرمز مباشرة، إذ يقع الميناء على ساحل بحر عُمان المفتوح على المحيط الهندي. ومن شأن تطوير شبكة السكك الحديدية المرتبطة به أن يوسع قدرة إيران على استقبال ونقل البضائع عبر مسار بري يصل إلى مناطق آسيا الوسطى، بدلاً من الاعتماد الكامل على الممرات البحرية التي تمر عبر الخليج ومضيق هرمز.
وبحسب المعلومات المتداولة حول المشروع، يُتوقع أن يدخل الخط مرحلة التشغيل الكامل خلال فترة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر، ما يجعل اكتماله خطوة لوجستية مهمة في إعادة تشكيل شبكة النقل الإيرانية. وإذا تحقق التشغيل وفق هذه المدة، فإن طهران ستكون أمام خيار إضافي لنقل البضائع من وإلى تشابهار، وربط الميناء بشبكات إقليمية أوسع.
ولا يعني ذلك أن إيران أصبحت قادرة على الاستغناء عن مضيق هرمز أو أن خط تشابهار يستطيع تعويض حركة الملاحة البحرية عبر المضيق؛ فحجم التجارة المنقولة بحراً عبر هرمز يفوق بكثير ما يمكن لخط بري واحد استيعابه. لكن المشروع يمنح إيران، من الناحية الاستراتيجية والاقتصادية، هامشاً إضافياً للمناورة وتنويع طرق النقل في حال استمرار الأزمات أو تعطل بعض الممرات.
وتشير هذه التطورات إلى أن الصراع على الممرات التجارية لا يدور فقط في البحر، بل يمتد إلى السكك الحديدية والموانئ والطرق البرية. فالدول التي تمتلك أكثر من منفذ وأكثر من طريق لنقل السلع والطاقة تستطيع تقليل تأثرها بأي اضطراب في مسار واحد، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بموانئ بحر عُمان وشبكات الربط مع آسيا الوسطى.
وتتحول تشابهار، في هذا السياق، من مجرد ميناء إيراني إلى نقطة اتصال محتملة بين المحيط الهندي والداخل الآسيوي. كما أن موقعها يمنحها أهمية بالنسبة إلى مشاريع الربط التجاري الإقليمي، خصوصاً مع دول لا تمتلك منافذ بحرية مباشرة وتبحث عن طرق للوصول إلى الأسواق والموانئ الدولية.
وبذلك، تبدو معادلة هرمز أكثر تعقيداً من مجرد مسألة إغلاق أو فتح مضيق. فحتى في حال استمرار حركة الملاحة فيه، فإن بناء مسارات بديلة يظل جزءاً من حسابات الأمن الاقتصادي للدول الواقعة في محيطه. أما إذا تعرضت الملاحة لأي اضطراب طويل، فإن امتلاك بدائل برية وبحرية يصبح أكثر أهمية.
وفي المحصلة، يمثل خط تشابهار–زاهدان أحد أبرز عناصر إعادة ترتيب البنية التحتية الإيرانية باتجاه الشرق والجنوب الشرقي، ويفتح نافذة على المحيط الهندي بعيداً عن قلب الخليج. وبينما يبقى مضيق هرمز ممراً لا يمكن تعويضه بسهولة بحجم حركة التجارة والطاقة التي يعبرها، فإن طهران تعمل في الوقت نفسه على بناء خيارات أخرى يمكن أن تقلل من هشاشتها أمام أي أزمة ممتدة.
وهكذا، فإن اكتمال خط السكك الحديدية لا يمثل مجرد مشروع نقل جديد، بل جزءاً من تحول أوسع في خريطة الممرات التجارية الإقليمية، حيث تتقاطع حسابات الاقتصاد مع اعتبارات الأمن والجغرافيا السياسية، وتصبح الموانئ والسكك الحديدية والطرق البرية أدوات رئيسية في رسم موازين المرحلة المقبلة.

فيديو