حين تحولت ورقة الجنوب إلى خسارة سعودية: الرهان على الإخوان ومأزق المستنقع اليمني

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب || خاص                 

على مدى سنوات، ظل الجنوب طرفًا حاضرًا بقوة في معادلة الحرب والصراع السياسي والعسكري، فيما اعتمدت السعودية على شبكة واسعة من الحلفاء والقوى المحلية لإدارة نفوذها داخل المشهد. ومع تصاعد الخلافات بين الرياض والقوى الجنوبية، يرى منتقدون للسياسة السعودية أن المملكة ارتكبت خطأً استراتيجيًا حين سمحت بتراجع علاقتها مع القوات الجنوبية، رغم الدور الذي لعبته هذه القوات في مواجهة الحوثيين على عدد من الجبهات.
وتذهب هذه القراءة إلى أن جماعة الإخوان المسلمين، ممثلة بقوى سياسية وعسكرية يمنية، سعت طوال سنوات إلى دفع السعودية نحو إضعاف خصومها الجنوبيين، باعتبار أن ذلك يفتح أمامها مساحة أكبر للنفوذ والسيطرة داخل المعسكر المناهض للحوثيين. وبحسب هذا الطرح، فإن التعامل مع الجنوب باعتباره عقبة أمام مشروع القوى الشمالية بدل اعتباره شريكًا رئيسيًا في مواجهة الحوثيين، أسهم في تعقيد المشهد بدل حسمه.
المفارقة، وفق هذه الرؤية، أن الرهان لم يؤدِ إلى النتائج التي كانت الرياض تتطلع إليها. فإضعاف العلاقة مع القوات الجنوبية لم ينهِ الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، ولم يؤدِ إلى توحيد القوى المحلية تحت قيادة سياسية وعسكرية واحدة، بينما ظل الحوثيون يحتفظون بقدرتهم على المناورة والهجوم وفرض أنفسهم لاعبًا رئيسيًا في المشهد.
وفي المقابل، تراجعت الثقة بين قطاعات واسعة من الجنوبيين والرياض، خصوصًا مع تصاعد الخلافات حول إدارة المناطق الجنوبية وترتيبات القوات والنفوذ السياسي. ويرى منتقدو السياسة السعودية أن خسارة الثقة مع طرف يمتلك حضورًا عسكريًا وشعبيًا واسعًا كانت كلفة سياسية وأمنية كبيرة، لأن أي استراتيجية إقليمية في جنوب الجزيرة وباب المندب تحتاج إلى شركاء محليين يمتلكون القدرة الفعلية على الأرض.
أما القوى التي راهنت الرياض على دورها في مواجهة الحوثيين، فلم تتمكن، وفق منتقديها، من تقديم البديل القادر على تغيير ميزان القوى بصورة حاسمة. وهنا ظهرت واحدة من أكثر مفارقات الحرب اليمنية تعقيدًا: أطراف عديدة تنافست على النفوذ داخل المعسكر المناهض للحوثيين، بينما ظل الحوثي مستفيدًا من الانقسامات ومن غياب رؤية سياسية وعسكرية موحدة.
ومع مرور السنوات، أصبحت السعودية أمام مشهد أكثر تعقيدًا؛ فالخلافات مع القوى الجنوبية لم تختفِ، والحوثيون ظلوا قوة عسكرية وسياسية مؤثرة، فيما بقيت القوى المناهضة لهم منقسمة حول الأولويات والتمثيل وشكل الدولة ومستقبل الجنوب.
ويطرح هذا الواقع سؤالًا استراتيجيًا يتجاوز الخلافات اليومية: هل كان إضعاف الشريك الجنوبي طريقًا لإنهاء الحرب، أم أنه ساهم في توسيع دائرة الخصومات داخل المعسكر المناهض للحوثيين؟
بالنسبة إلى منتقدي الرياض، الإجابة واضحة: إن السياسة التي تقوم على إضعاف طرف محلي قوي من أجل تمكين طرف آخر قد تنتج مكاسب قصيرة الأمد، لكنها قد تتحول لاحقًا إلى خسارة استراتيجية إذا لم يتحقق الهدف الأساسي، وهو إنهاء الحرب وبناء ترتيبات سياسية وأمنية مستقرة.
وفي الجنوب تحديدًا، لم تعد القضية في نظر أنصاره مجرد خلاف على المناصب أو النفوذ، بل أصبحت مرتبطة بمسألة مستقبل الجنوب وتمثيله السياسي والعسكري. ولذلك فإن أي محاولة لتجاوز القوى الجنوبية أو التعامل معها كطرف ثانوي قد تصطدم بحقيقة حضورها على الأرض وقدرتها على التأثير في المعادلة الأمنية والسياسية.
وهكذا تجد السعودية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: الحوثيون يمثلون تحديًا أمنيًا وعسكريًا مستمرًا، والقوى السياسية والعسكرية المناهضة لهم لم تتمكن من إنتاج تسوية جامعة، بينما أصبحت العلاقة مع الجنوب أكثر توترًا مما كانت عليه في مراحل سابقة.
وفي المحصلة، تكشف سنوات الحرب أن إدارة التحالفات المحلية بمنطق الإقصاء والموازنة بين الخصوم لم تكن كافية لتحقيق الحسم. فالميدان فرض واقعًا مختلفًا، وأصبح من الصعب تجاهل أي قوة تمتلك حضورًا عسكريًا وشعبيًا حقيقيًا.
ومن هنا، يرى أصحاب هذا الطرح أن مراجعة السياسة السعودية تجاه الجنوب لم تعد مجرد خيار سياسي، بل أصبحت جزءًا من إعادة تقييم شاملة لمسار الحرب والتحالفات. فبدل البحث عن طرف واحد يهيمن على المشهد، تبدو الحاجة أكبر إلى صيغة سياسية تعترف بتعدد القوى والقضايا، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، وتبحث عن ترتيبات أمنية وسياسية قابلة للحياة.
ويبقى الدرس الأبرز أن الحروب لا تُحسم بالرهان على خصومة طرف مع آخر، ولا بإضعاف حليف ميداني لصالح منافس سياسي، وإنما ببناء تحالفات واضحة تقوم على المصالح المتبادلة والاعتراف بالواقع الذي صنعته سنوات الصراع. وفي الحالة الجنوبية، فإن تجاهل هذا الواقع قد يجعل أي استراتيجية إقليمية عرضة لمزيد من التعقيدات بدل الوصول إلى نهاية مستقرة للحرب.

فيديو