الجنوب لن يكون ساحة مفتوحة لاحتفالات الثورة التي ماتت على يد غلمان مران

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب || خاص                   

مع اقتراب مواسم الاحتفالات السياسية التي تستحضر ذكريات الثورات والجمهوريات، يعود إلى الواجهة سؤال أكثر إلحاحًا: هل يمكن الاحتفال بشعارات ثورة أُفرغت من مضمونها، بينما تحولت الأرض التي رفعت تلك الشعارات إلى ساحة لصراعات جديدة؟ وفي الجنوب، تبدو المسألة أكثر حساسية، في ظل تصاعد الخطاب الرافض لتحويل المحافظات الجنوبية إلى مساحة مفتوحة لفعاليات سياسية لا تحظى بتوافق شعبي واسع.
فالجنوب، وفق هذا الخطاب، لم يعد يقبل أن يكون مجرد مسرح للاحتفالات الموسمية أو منصة لإعادة إنتاج شعارات سياسية تجاوزتها الأحداث. وما يراه كثير من الجنوبيين هو أن أي احتفال سياسي على أرضهم ينبغي أن يراعي واقعًا جديدًا تشكل خلال سنوات طويلة، وأن يأخذ في الاعتبار قضية الجنوب ومطالب شعبه السياسية، بدل التعامل مع عدن وبقية المحافظات الجنوبية باعتبارها فضاءً محايدًا يمكن استخدامه لإحياء مشاريع سياسية متنافسة.
وتزداد حدة المفارقة حين تُرفع شعارات الجمهورية والثورة في وقت ما تزال فيه جماعة الحوثيين، التي خرجت من معاقل شمالية وتوسعت عسكريًا وسياسيًا، طرفًا رئيسيًا في المشهد اليمني. ومن منظور منتقدي الوضع القائم، فإن استحضار الماضي الثوري دون التوقف أمام ما آلت إليه الجمهورية يطرح تساؤلات حول معنى الاحتفال وحدوده، وحول ما إذا كانت المناسبة تعبر فعلًا عن القيم التي قامت من أجلها، أم تحولت إلى طقس سياسي منفصل عن الواقع.
وفي المقابل، فإن الجنوب يرى نفسه أمام واقع سياسي وعسكري مختلف؛ قوات جنوبية تنتشر على خطوط المواجهة، ومؤسسات محلية تدير مناطق واسعة، وحراك سياسي يطالب بإعادة صياغة العلاقة السياسية على أساس قضية الجنوب وحق شعبه في تقرير مستقبله. ولذلك فإن محاولة تجاوز هذا الواقع، أو اختزال المشهد الجنوبي في مجرد مساحة جغرافية لإقامة الفعاليات، قد تفتح بابًا جديدًا للتوتر بدل أن تنتج حالة من التوافق.
المسألة هنا ليست في الاحتفال بذكرى تاريخية بحد ذاته، ولا في منع أحد من التعبير عن قناعاته، وإنما في طبيعة الرسائل التي تحملها تلك الاحتفالات، وفي مدى انسجامها مع الواقع السياسي والاجتماعي القائم. فحين تتحول المناسبة إلى أداة لإعادة فرض سردية سياسية واحدة على مجتمع يعيش تحولًا عميقًا في مواقفه وتطلعاته، يصبح من الطبيعي أن تظهر أصوات تعترض وتطالب باحترام خصوصية الجنوب وخيارات أبنائه.
ويضع هذا الواقع القوى السياسية أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع الانتقال من منطق فرض الشعارات إلى منطق الاعتراف بالتعدد السياسي والقضايا الوطنية المختلفة؟ وهل يمكن بناء مستقبل مستقر من خلال تجاهل قضية الجنوب، أم أن أي تسوية سياسية جادة ستحتاج إلى معالجة جذور الخلافات بدل تأجيلها؟
وبينما تتواصل الدعوات إلى إحياء مناسبات الثورة والجمهورية، يصر قطاع من الجنوبيين على أن عدن والمحافظات الجنوبية ليست ساحة مفتوحة لأي طرف، وأن استقرارها ينبغي أن يكون أولوية، وأن أي نشاط سياسي فيها يجب أن يقوم على احترام الواقع المحلي وعدم استخدام المناسبات الوطنية لتكريس مشاريع سياسية على حساب قضية الجنوب.
لقد تغيرت موازين كثيرة خلال السنوات الماضية، ولم يعد المشهد كما كان في العقود السابقة. وفي الجنوب، تتبلور قناعة لدى مؤيدين للمشروع الجنوبي بأن المرحلة المقبلة ينبغي أن تقوم على تنظيم الحياة السياسية، وتعزيز المؤسسات، وحماية الأمن والاستقرار، وفتح المجال أمام حوار سياسي حقيقي حول مستقبل الجنوب بعيدًا عن الإملاءات والفرض بالقوة.
وهكذا، فإن الرسالة التي تتردد في الشارع الجنوبي اليوم واضحة: الاحتفال بالتاريخ لا يمنح أحدًا حق تجاهل الحاضر، واستحضار الثورة لا يعني مصادرة حق الشعوب في مناقشة مستقبلها. فالجنوب يريد أن يكون طرفًا في صناعة القرار المتعلق بمستقبله، لا مجرد ساحة تُقام عليها الفعاليات ثم تُغلق أبواب الحوار بعد انتهاء الاحتفالات.
وفي نهاية المطاف، تبقى الذكريات ملكًا للتاريخ، أما المستقبل فهو حق للأجيال القادمة. وبين الاثنين يقف الجنوب أمام استحقاق سياسي لا يمكن تجاوزه بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى الاعتراف بالواقع، واحترام إرادة الناس، وفتح الطريق أمام معالجة سياسية عادلة لقضية الجنوب ومستقبله.

فيديو