الجنوب العربي.. قضية شعب لا تُختزل في الخلافات السياسية ولا تُسقطها حملات التشويه والتشكيك

تقارير - منذ ساعتان

 عين الجنوب || خاص                        
لم تعد قضية الجنوب العربي مجرد ملف سياسي قابل للمساومة أو ورقة يمكن تحريكها وفق حسابات المصالح الإقليمية وتوازنات القوى، بل أصبحت قضية وطنية ترتبط بإرادة شعب وتطلعاته نحو استعادة دولته وتقرير مصيره وبناء مستقبله السياسي. وبينما تتصاعد الحملات الإعلامية والسياسية التي تستهدف الجنوب، تتجدد التساؤلات حول محاولات الخلط بين الخلافات مع القوى السياسية الجنوبية وبين الحق الوطني الذي يتمسك به قطاع واسع من أبناء الجنوب، الذين يرون في قضيتهم حصيلة عقود من النضال والتضحيات.
وتكشف الحملات التي تشنها بعض المنصات الإعلامية والحسابات الإلكترونية ضد الجنوب، عن محاولة واضحة لتحويل الخلافات السياسية إلى وسيلة للنيل من القضية الجنوبية برمتها، وكأن الاعتراض على موقف سياسي أو الاختلاف مع شخص او جهه يمنح أصحابه الحق في التشكيك بتطلعات شعب كامل أو التقليل من تضحياته. غير أن القضايا الوطنية، مهما تعقدت ظروفها، لا يمكن اختزالها في أشخاص أو مكونات سياسية، كما لا يمكن التعامل معها باعتبارها ملفات عابرة تنتهي بتغير التحالفات أو صدور القرارات من العواصم الإقليمية.
وفي هذا السياق، يبرز المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه أحد أبرز الأطر السياسية التي تصدرت المشهد الجنوبي خلال السنوات الماضية، مستندًا إلى رصيد من الحراك الشعبي والتحولات التي شهدتها الساحة الجنوبية، وإلى قاعدة جماهيرية ترى فيه حاملًا سياسيًا لتطلعاتها الوطنية. ومن هنا، فإن أي خلافات تتعلق بأدائه أو قيادته ينبغي أن تبقى في إطارها السياسي، وألا تتحول إلى مبرر لاستهداف المجتمع الجنوبي أو المساس بحقوقه أو تحميل المواطنين تبعات صراعات لا يد لهم فيها.
فالجنوب، بتنوع محافظاته وقواه الاجتماعية والسياسية، أكبر من أن يُختزل في قيادة أو منطقة أو مكون واحد، كما أن قضيته أوسع من أن تُحصر في خلافات عابرة بين الأطراف. وتبقى الحاجة إلى تعزيز وحدة الصف الجنوبي، وتوسيع مساحة الحوار الداخلي، ومعالجة التباينات بروح المسؤولية الوطنية، من أبرز المتطلبات التي تساعد على حماية القضية من محاولات الاستغلال والتفكيك، وتمنح أبناء الجنوب قدرة أكبر على التعبير عن تطلعاتهم المشتركة.
وتعود جذور القضية الجنوبية، وفقًا للسردية السياسية التي يتبناها أنصارها، إلى مسار طويل من الخلافات والتوترات التي تفاقمت منذ حرب صيف عام 1994، وما أعقبها من اتهامات بالإقصاء والتهميش والاستحواذ على الأراضي والثروات والوظائف العامة. وقد أسهمت تلك التطورات في اتساع الاحتجاجات الجنوبية، وتحول المطالب الحقوقية والسياسية تدريجيًا إلى مشروع وطني يطالب باستعادة الدولة الجنوبية، ويستند إلى مفهوم حق الشعوب في تقرير مستقبلها السياسي.
وعلى امتداد سنوات الحراك والمواجهات العسكرية والتحولات السياسية، قدم أبناء الجنوب تضحيات كبيرة، سواء في ساحات الاحتجاج أو في جبهات القتال، وهو ما جعل مسألة الاعتراف بتضحياتهم ومطالبهم جزءًا أساسيًا من أي نقاش جاد حول مستقبل المنطقة. ويرى أنصار القضية الجنوبية أن تجاهل هذه التضحيات، أو التعامل معها بوصفها مجرد أوراق تفاوضية يمكن الاستغناء عنها عند تغير المصالح، لن يؤدي إلا إلى تعميق فجوة الثقة بين الأطراف، وإطالة أمد الأزمات بدلًا من البحث عن تسويات مستدامة.
ولا تتوقف أهمية الجنوب عند حدوده السياسية والجغرافية، إذ يحتل موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية على امتداد خليج عدن وباب المندب، أحد أبرز الممرات البحرية للتجارة الدولية. وقد اضطلعت القوات الجنوبية بأدوار عسكرية وأمنية في مواجهة جماعة الحوثيين، وتأمين مناطق ومواقع استراتيجية، في ظل مخاوف متواصلة من اتساع التهديدات التي تطال الملاحة البحرية وأمن المنطقة.
ومن هذا المنطلق، يطرح الجنوبيون سؤالًا جوهريًا حول العلاقة بين التضحيات الميدانية والاستحقاقات السياسية: كيف يمكن ضمان ألا تتحول الانتصارات العسكرية إلى مكاسب لأطراف أخرى، بينما تبقى القضية الجنوبية خارج أي تسوية نهائية؟ وكيف يمكن بناء شراكات إقليمية ودولية تضمن احترام إرادة أبناء الجنوب، وتمنع استخدام قواتهم وإمكاناتهم في معارك لا تقابلها ضمانات واضحة بشأن مستقبلهم السياسي؟
إن الإجابة عن هذه التساؤلات تتطلب الانتقال من لغة الوعود العامة إلى تفاهمات سياسية واضحة، تقوم على الاعتراف بالقضية الجنوبية بوصفها قضية قائمة بذاتها، وتحدد آليات منصفة لمعالجة جذورها، وتضمن مشاركة ممثلي الجنوب في أي مفاوضات تتناول مستقبل المنطقة. كما أن أي ترتيبات أمنية أو عسكرية جديدة ينبغي أن تراعي مصالح أبناء الجنوب، وألا تفصل الالتزامات الميدانية عن الحقوق السياسية التي يطالبون بها.
وفي المقابل، فإن استخدام الخدمات الأساسية والموارد الاقتصادية وسيلة للضغط السياسي يظل من أكثر المسارات خطورة على الاستقرار الاجتماعي. فالمواطن الجنوبي الذي يعاني انقطاعات الكهرباء وتراجع الخدمات وتأخر الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة، لا ينبغي أن يتحول إلى ضحية للخلافات بين القوى السياسية أو الحسابات الإقليمية. إن توفير الخدمات وصون الحقوق الاقتصادية مسؤولية عامة، ولا يجوز أن يكونا مشروطين بتنازلات سياسية أو مواقف تخدم طرفًا على حساب آخر.
وتزداد خطورة هذا المسار عندما تترافق الأزمات المعيشية مع حملات إعلامية تستهدف الهوية الوطنية الجنوبية أو تشكك في مشروعية المطالب السياسية. فالمعالجة الحقيقية لا تكون بتوسيع دائرة الاتهامات أو تأجيج الانقسامات، وإنما بفتح قنوات الحوار، واحترام التعدد، والاحتكام إلى حلول سياسية عادلة، وإبعاد حياة المواطنين عن التجاذبات التي تستنزف المجتمع وتضعف مؤسسات الدولة.
أما محاولات فرض الوصاية على القرار الجنوبي، فإنها تصطدم بحقيقة أن أي مشروع سياسي لا يستطيع ضمان استمراره بالاعتماد على الضغوط وحدها، أو بتجاهل التحولات التي شهدتها الساحة الجنوبية خلال السنوات الماضية. فالشراكة الحقيقية بين الجنوب ومحيطه الإقليمي ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على الإملاءات أو فرض خيارات سياسية لا تحظى بقبول أصحاب القضية أنفسهم.
وفي هذا الإطار، لا تعني الدعوة إلى استقلالية القرار الجنوبي رفض الحوار أو الانغلاق أمام الشراكات الإقليمية والدولية، بل تعني أن تكون تلك الشراكات قائمة على الوضوح والندية واحترام المصالح المتبادلة. فالجنوب، بحكم موقعه الجغرافي وأهميته الأمنية والاقتصادية، يستطيع أن يكون شريكًا فاعلًا في حماية الملاحة الدولية وتعزيز الاستقرار، متى توفرت الظروف السياسية والمؤسسية التي تتيح له إدارة موارده وبناء مؤسساته وفق رؤية وطنية واضحة.
كما أن المرحلة الراهنة تضع القوى الجنوبية أمام مسؤولية مضاعفة تتمثل في ترجمة الالتفاف الشعبي إلى مشروع سياسي ومؤسسي قادر على الاستجابة لتطلعات المواطنين. فالدفاع عن القضية لا يقتصر على الخطاب السياسي أو الحشد الجماهيري، بل يتطلب أيضًا تقديم نموذج في الإدارة الرشيدة، ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمات، وحماية الحقوق والحريات، وتعزيز العدالة في توزيع الموارد بين المحافظات، بما يعزز الثقة الشعبية ويؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا.
ومن هنا، فإن استعادة الدولة الجنوبية التي يطالب بها أنصار القضية لا ينبغي أن تبقى مجرد شعار سياسي، بل تحتاج إلى رؤية متكاملة تحدد طبيعة النظام السياسي، وشكل الدولة، وضمانات المشاركة والتعدد، وآليات إدارة الثروات، وبناء مؤسسات مستقلة تخضع للقانون والمساءلة. كما أن أي مشروع اتحادي أو صيغة دستورية مستقبلية يجب أن تستند إلى إرادة أبناء الجنوب وموافقتهم، وأن تضمن عدم تكرار تجارب الإقصاء والتهميش التي شكلت أحد أبرز أسباب الأزمة.
وعلى المستوى الشعبي، تظل وحدة الصف الجنوبي عاملًا حاسمًا في مواجهة محاولات الاستقطاب والتشظي. غير أن هذه الوحدة لا تتحقق بإلغاء الاختلافات أو فرض رأي واحد على الجميع، بل ببناء توافق وطني يستوعب التنوع السياسي والاجتماعي، ويضع القضية الجنوبية ومصالح المواطنين فوق الحسابات الحزبية والشخصية. فكلما اتسعت مساحة التفاهم الداخلي، تراجعت فرص استغلال الخلافات من الخارج، وأصبح القرار الجنوبي أكثر قدرة على التعبير عن الإرادة الشعبية.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن مستقبل الجنوب يرتبط أيضًا بمدى قدرة القوى السياسية على إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية بحكمة، وتقديم خطاب واضح يشرح طبيعة القضية ومطالبها، ويؤكد أن البحث عن حل عادل لا يتعارض مع استقرار المنطقة، بل يمكن أن يشكل مدخلًا لتسوية أكثر استدامة. فالأمن لا يتحقق بتأجيل القضايا الجوهرية، وإنما بمعالجتها على أسس واضحة تضمن الحقوق وتحدد المسؤوليات وتمنع تجدد الصراعات.
إن الرسالة التي يوجهها أنصار القضية الجنوبية إلى مختلف الأطراف هي أن الخلاف مع المجلس الانتقالي الجنوبي، أو مع أي قيادة سياسية جنوبية، لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع الجنوب نفسه، وأن التباينات السياسية لا تمنح أحدًا الحق في تجاهل تطلعات شعب أو الانتقاص من تضحياته. فالقضايا الوطنية لا تُحسم بالحملات الإلكترونية، ولا تُدار عبر تبادل الاتهامات، وإنما تحتاج إلى حوار جاد وإرادة سياسية تعترف بالواقع وتتعامل مع جذور الأزمة بدلًا من الالتفاف عليها.
وفي المحصلة، يقف الجنوب العربي أمام مرحلة تتطلب الجمع بين التمسك بالحقوق الوطنية والعمل السياسي المسؤول، وبين حماية المكتسبات وتعزيز المؤسسات والاستجابة للاحتياجات اليومية للمواطنين. فالمستقبل الذي يتطلع إليه أبناء الجنوب لن تصنعه الشعارات وحدها، بل تصنعه وحدة الصف، ووضوح الرؤية، والقدرة على تحويل التضحيات إلى ضمانات سياسية ومؤسساتية حقيقية.
وستظل قضية الجنوب، في نظر أنصارها، قضية شعب يطالب بحقه في تقرير مصيره وصياغة مستقبله، وليست مجرد بند في حسابات القوى المتنافسة. ومن ثم، فإن الطريق إلى الاستقرار يبدأ بالاعتراف بحقوق أبناء الجنوب، واحترام إرادتهم، ووقف محاولات توظيف معاناتهم في الصراعات السياسية، وفتح المجال أمام حل عادل يضمن لهم المشاركة الحقيقية في تقرير مستقبلهم، بعيدًا عن الإملاءات والضغوط وسياسات الأمر الواقع.

فيديو