هل ينجو الاقتصاد من دوامة الهدر؟.. شرعية الموارد تحت مجهر الشارع

اقتصاد - منذ 1 ساعة

عدن، عين الجنوب|| خاص

في بلدٍ أنهكته الحرب، واستنزفت سنوات الصراع موارده، لم يعد المواطن  يسأل عن أسباب تدهور معيشته بقدر ما يبحث عن إجابة لسؤال أكثر إيلامًا: إلى أين تذهب أموال الدولة، ولماذا تتسع رقعة الفقر بينما تتآكل مؤسساتها وتتراجع قدرة الناس على توفير أبسط متطلبات الحياة؟ وبينما يواجه المواطن الجنوبي أزمات متلاحقة في الرواتب والخدمات والأسعار، تتصاعد التساؤلات حول أداء مؤسسات ماتسمى  بالشرعية، وحجم الفساد الذي يطارد إدارتها للموارد العامة، ومدى قدرتها على حماية ما تبقى من مقدرات الدولة.
إن الحديث عن الشرعية والفساد ليس مجرد سجال سياسي عابر، بل قضية ترتبط مباشرة بلقمة عيش ملايين الناس وبمصير اقتصاد يقف على أرضية هشة، وبمؤسسات يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن المال العام، لا أن تتحول إلى ساحة تتنازعها المصالح والنفوذ والحسابات الضيقة.
البنك المركزي.. آخر الحصون المالية أمام عاصفة الانهيار
يقف البنك المركزي في قلب المشهد الاقتصادي  باعتباره إحدى المؤسسات المحورية المعنية بإدارة السياسة النقدية، والحفاظ على الاستقرار المالي، وتنظيم القطاع المصرفي، والتعامل مع الاختلالات التي أصابت الاقتصاد خلال سنوات الحرب. لكن تعقيدات الانقسام المالي، وتراجع الإيرادات، وضغوط الإنفاق العام، وتذبذب سعر العملة، كلها عوامل جعلت المؤسسة النقدية تواجه تحديات استثنائية.
وفي ظل هذه الظروف، تتزايد المطالب الشعبية بضرورة إخضاع إدارة الموارد العامة والقرارات المالية لرقابة صارمة، والكشف عن أوجه الإنفاق، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في إهدار المال العام أو استغلال النفوذ لتحقيق مصالح شخصية.
فالمشكلة لا تتعلق فقط بحجم الأموال المتاحة، وإنما بكيفية إدارتها، وبمدى وجود مؤسسات رقابية قادرة على منع العبث بها. إذ يمكن لشح الموارد أن يتحول إلى كارثة حين يقترن بسوء الإدارة، ويمكن للإمكانات المحدودة أن تتضاعف آثارها السلبية عندما تغيب الشفافية وتضعف المساءلة.
أما حين تتراجع الثقة بالمؤسسات المالية، فإن الخسارة لا تبقى محصورة في دفاتر الحسابات، بل تمتد إلى الأسواق، والمدخرات، والقدرة الشرائية للمواطن، وثقة التجار والمستثمرين في مستقبل الاقتصاد.
«الفول» الذي يلتهم آخر قرش
في التعبير الشعبي، يصبح «الفول» رمزًا لآلة لا تتوقف عن الاستهلاك، تلتهم ما يقع في طريقها دون أن تترك وراءها ما يسد حاجة الجائعين. ومن هنا تأتي الصورة القاسية التي تختصرها عبارة «الفول الذي يلتهم آخر قرش في البنك المركزي»؛ صورة مجازية عن منظومة يُخشى أن تستنزف ما تبقى من المال العام في ظل غياب الرقابة الفاعلة، وتضخم النفقات، وتعدد مراكز النفوذ، وتراجع القدرة على توجيه الموارد نحو الأولويات الحقيقية.
فكل قرش من المال العام يفترض أن تكون له وظيفة واضحة: راتب موظف ينتظر مستحقاته، أو دواء لمريض، أو خدمة أساسية يحتاج إليها المواطن، أو مشروع يعيد تحريك عجلة الاقتصاد. وحين لا تكون أوجه الإنفاق معلنة بصورة كافية، يصبح من حق المجتمع أن يسأل عن جدوى القرارات المالية، وعن الجهات المستفيدة منها، وعن النتائج التي تحققت مقابل الأموال التي صُرفت.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس الفقر وحده، بل تحول الفقر إلى واقع دائم في حياة الناس، بالتزامن مع استمرار العجز عن بناء إدارة مالية رشيدة. فالأزمة الاقتصادية قد تفرض خيارات صعبة، لكنها لا تمنح أي مسؤول حصانة من المساءلة، ولا تبرر إخفاء المعلومات، ولا تعفي المؤسسات من تقديم الحسابات للرأي العام.
الشرعية تحت الاختبار.. أين تذهب الموارد؟
تواجه الحكومة  تحديات كبيرة في إدارة المناطق الخاضعة لسلطتها، وسط تراجع الإيرادات العامة، وتداعيات الحرب، والاضطرابات التي أصابت قطاعات الإنتاج والتجارة، فضلًا عن الانقسام المؤسسي الذي أضعف قدرة الدولة على إدارة اقتصاد موحد.
لكن حجم التحديات لا يلغي مسؤولية السلطة عن إدارة ما هو متاح من موارد بكفاءة ونزاهة. فالشرعية السياسية لا تستمد قوتها من الاعتراف الخارجي وحده، بل تحتاج أيضًا إلى ثقة المواطنين، وهذه الثقة تتآكل عندما يشعر الناس بأن معاناتهم اليومية لا تجد طريقها إلى مراكز القرار.
ومن هنا، فإن المطالبة بمكافحة الفساد ليست حملة ضد مؤسسة بعينها، ولا اتهامًا جماعيًا لكل العاملين في أجهزة الدولة، بل دعوة إلى بناء منظومة حكم تستند إلى الشفافية والكفاءة والمحاسبة، وتفصل بين المال العام والمصالح الخاصة.
ويحتاج المواطنين إلى إجابات واضحة عن ملفات الإيرادات والنفقات، وأوجه الدعم الخارجي، وآليات التعيين والتعاقد، وسبل الرقابة على المؤسسات العامة. كما يحتاجون إلى تقارير مالية منتظمة تتيح معرفة ما يدخل خزينة الدولة، وما يخرج منها، وأين تذهب الموارد، وما الأثر الفعلي للإنفاق على الخدمات والمعيشة.
فمن دون معلومات موثوقة وبيانات قابلة للتحقق، تبقى الاتهامات مادة للصراع السياسي، وتظل الحقيقة الاقتصادية محاصرة بين التصريحات المتبادلة وغياب الشفافية.
المواطن يدفع الثمن.. والعملة لا تنتظر الوعود
في الأسواق المحليه  لا يحتاج المواطن إلى تقارير معقدة كي يشعر بأثر الأزمة؛ تكفيه فاتورة الغذاء، وتكاليف العلاج، وإيجار المنزل، وأجور النقل، وما يواجهه من صعوبة في تأمين احتياجات أسرته. أما الموظف الذي ينتظر راتبه، والمتقاعد الذي يعتمد على دخل محدود، وصاحب العمل الصغير الذي يصارع ارتفاع التكاليف، فهم جميعًا يقفون في مواجهة نتائج الاختلالات الاقتصادية بصورة مباشرة.
وتنعكس اضطرابات العملة وتراجع القوة الشرائية على أسعار السلع والخدمات، بينما يؤدي ضعف النشاط الاقتصادي وانخفاض فرص العمل إلى توسيع دائرة الفقر. ومع استمرار هذه الضغوط، تتراجع قدرة الأسر على الادخار، وتتقلص فرص التعليم والرعاية الصحية، وتصبح أبسط متطلبات الحياة عبئًا يوميًا.
وفي مثل هذا الواقع، لا يكفي أن تتبادل الأطراف الاتهامات، ولا أن تتكرر الوعود بمعالجة الأزمة. المطلوب إجراءات قابلة للقياس، وخطط معلنة، ومواعيد واضحة، ومحاسبة على النتائج.
كما أن حماية العملة لا تتحقق بالشعارات وحدها، وإنما تحتاج إلى إدارة نقدية ومالية منضبطة، وتنسيق بين الجهات المعنية، وتحسين تحصيل الإيرادات، وضبط الإنفاق، ومكافحة المضاربة والتلاعب وفق القانون، وتعزيز الثقة بالنظام المصرفي.
الفساد.. حين تتحول الأزمة إلى فرصة للنفوذ
في البيئات التي تضعف فيها الرقابة وتتراجع فيها مؤسسات إنفاذ القانون، تصبح الأزمات الاقتصادية أرضًا خصبة لتضارب المصالح واستغلال النفوذ. وتزداد المخاطر عندما تغيب المنافسة العادلة في العقود والمشتريات، أو تتعثر إجراءات التدقيق، أو لا تُنشر البيانات المالية بصورة منتظمة.
غير أن خطورة الفساد لا تقتصر على الأموال التي قد تُهدر، بل تشمل أيضًا تعطيل الإصلاح، وإضعاف المؤسسات، وإبعاد الكفاءات، وإحباط المواطنين الذين يفقدون الثقة بإمكانية التغيير.
ولذلك، فإن معالجة هذه القضية تتطلب الانتقال من الخطاب العام إلى التحقيق المهني في في النقصي بالبحث و إلى ملفات موثقة، ومن الوعود السياسية إلى إجراءات قانونية تطبق على الجميع دون استثناء.
فلا يجوز أن تتحول مكافحة الفساد إلى شعار يُرفع ضد الخصوم ويُهمل عند الحلفاء، كما لا ينبغي أن تصبح الاتهامات وسيلة لتصفية الحسابات. المعيار الحقيقي هو الأدلة، واستقلال أجهزة الرقابة، وشفافية الإجراءات، وحق المجتمع في معرفة نتائج التحقيقات والمحاسبة.
ما المطلوب لإنقاذ ما تبقى؟
إن وقف استنزاف المال العام يبدأ بخطوات عملية، في مقدمتها نشر بيانات الإيرادات والنفقات، وتعزيز استقلال أجهزة الرقابة والمحاسبة، ومراجعة العقود والمشتريات العامة، والتحقق من سلامة إجراءات الصرف، وإعلان نتائج التحقيقات في قضايا الفساد التي تثبتها الأدلة.
ويجب أن تترافق هذه الإجراءات مع إصلاح مالي يحدد الأولويات بوضوح، ويضع الرواتب والخدمات الأساسية في مقدمة الالتزامات، ويحسن تحصيل الموارد بعيدًا عن الإتاوات والإجراءات العشوائية، ويوحد القنوات المالية قدر الإمكان، ويمنع تضارب الاختصاصات بين الجهات الرسمية.
كما أن إعادة بناء الثقة تحتاج إلى خطاب حكومي صريح يعترف بحجم الأزمة، ويقدم بيانات قابلة للفحص، ويشرح للمواطنين ما يمكن إنجازه وما يتطلب وقتًا وموارد إضافية. فالثقة لا تُفرض على الناس، بل تُبنى من خلال نتائج ملموسة يشعرون بها في حياتهم اليومية.
ولا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أن ينجح بصورة مستدامة ما لم تتوافر إرادة سياسية تحمي المال العام من الاستغلال، وتمنح المؤسسات الرقابية القدرة على أداء مهامها، وتضمن أن القانون يسري على المسؤول قبل الموظف، وعلى صاحب النفوذ قبل المواطن البسيط.
الخاتمة.. من يحمي آخر قرش في خزينة الدولة؟
في نهاية المطاف، ليست القضية مجرد خلاف حول أداء الشرعية، ولا مجرد انتقاد لسياسات البنك المركزي، بل سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الدولة  نفسها: هل تتحول الموارد المحدودة إلى أداة لإنقاذ الاقتصاد وتخفيف معاناة المواطنين، أم تستمر الاختلالات الإدارية والمالية في استنزافها بينما تتسع الفجوة بين احتياجات الناس وقدرة المؤسسات على الاستجابة؟
إن «الفول» الذي يلتهم آخر قرش ليس اسمًا لجهة يمكن إدانتها بلا أدلة، بل استعارة عن كل ممارسة تستنزف المال العام، وكل قرار يفتقر إلى الشفافية، وكل مسؤول يتعامل مع موارد الدولة باعتبارها شأنًا خاصًا لا حقًا عامًا.
وإذا كانت الحرب قد استنزفت البلد ، فإن سوء الإدارة والفساد، عند وقوعه وغابت المحاسبة عنهما، قادران على تعميق الجراح وإطالة أمد الانهيار. ولهذا، فإن حماية ما تبقى من موارد الدولة لم تعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وطنية واقتصادية وأخلاقية.
فالمواطن الذي يراقب تراجع قدرته الشرائية، ويعجز عن توفير احتياجات أسرته، لا ينتظر خطابات جديدة بقدر ما ينتظر نتائج. والموظف الذي ينتظر راتبه لا تعنيه الوعود ما لم تتحول إلى استحقاقات تصل إليه. أما خزينة الدولة، فلا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى إدارة رشيدة ورقابة مستقلة ومحاسبة عادلة.
فمن يحمي آخر قرش في البنك المركزي؟ ومن يضمن ألا تبتلع دوامة الفساد ما تبقى من أمل المواطنين؟
إن الإجابة لن تكون في التصريحات وحدها، وإنما في الأرقام المنشورة، والقرارات المنفذة، والملفات التي تصل إلى القضاء، والأموال التي تُصان، والخدمات التي تتحسن. هناك فقط يمكن للمواطن أن يرى الفرق بين شرعية تكتفي بالبقاء في السلطة، وشرعية تجعل حماية الناس وحقوقهم ومواردهم جوهر مسؤوليتها.

فيديو