صناعة الأزمات في الجنوب.. سياسة مكشوفة تُفاقم معاناة المواطنين وتضع قوى الإرهاب و«شرعية الفنادق» أمام تساؤلات المسؤولية

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن عين الجنوب خاص 

لم تعد الأزمات المتلاحقة التي تشهدها مناطق الجنوب مجرد أحداث عابرة يمكن فصلها عن المشهد السياسي والأمني العام، بل باتت تثير تساؤلات واسعة حول طبيعة إدارتها، والجهات المستفيدة من استمرارها، ومدى ارتباطها بصراع النفوذ ومحاولات إعادة خلط الأوراق على حساب استقرار المواطنين ومستقبلهم. ففي ظل الأوضاع المعيشية المعقدة والتحديات الأمنية والخدمية المتراكمة، تتصاعد الاتهامات بوجود أطراف تسعى إلى توظيف الأزمات وصناعة مزيد من التوتر، بما يضع الجنوب أمام دوامة متجددة من المعاناة وعدم الاستقرار.
وتذهب قراءات سياسية إلى أن افتعال الأزمات أو تغذيتها لا يمكن النظر إليه بمعزل عن الصراع الدائر على النفوذ والقرار، خصوصاً عندما تتزامن الاختناقات الخدمية والمعيشية مع حملات سياسية وإعلامية تستهدف المشهد الجنوبي، أو مع تحركات من شأنها إرباك المؤسسات وإضعاف الثقة الشعبية بقدرتها على الاستجابة لمتطلبات الناس. وضمن هذا السياق، تبرز اتهامات توجهها أطراف جنوبية إلى قوى تصفها بالإرهابية، وإلى أطراف في منظومة الشرعية الموجودة خارج البلاد، محمّلة إياها مسؤولية المساهمة في تعقيد المشهد وإدامة حالة الاضطراب. وهي اتهامات تظل بحاجة إلى أدلة واضحة وتوثيق مستقل لتحديد المسؤوليات بدقة.
الأزمات المتراكمة.. معاناة يومية تتجاوز الحسابات السياسية
في الشارع الجنوبي، لا تُقاس الأزمة بالمواقف السياسية وحدها، بل بما تتركه من آثار مباشرة على حياة المواطنين. فالكهرباء والخدمات الأساسية والرواتب والقدرة الشرائية والأمن والاستقرار تمثل أولويات يومية لا تحتمل التأجيل، بينما يؤدي استمرار الاختلالات إلى مضاعفة الضغوط على الأسر، وتوسيع فجوة الثقة بين المجتمع والجهات المعنية بإدارة الشأن العام.
ومع تكرار الأزمات، تتزايد مخاوف المواطنين من أن تتحول معاناتهم إلى ورقة ضغط تستخدمها أطراف متنافسة لتحقيق مكاسب سياسية أو إضعاف خصومها. فحين تتداخل المشكلات الخدمية مع التجاذبات السياسية، يصبح من الصعب على المواطن فصل النتائج المباشرة للأخطاء الإدارية والاقتصادية عن محاولات استثمارها في الصراع. غير أن تحديد ما إذا كانت أزمة بعينها ناتجة عن عجز مؤسسي، أو فساد، أو صراع مصالح، أو تدخل متعمد، يتطلب فحص الوقائع والوثائق والقرارات ذات الصلة، بدلاً من الاكتفاء بتبادل الاتهامات.
وتكمن خطورة هذا المشهد في أن استمرار الأزمات من دون حلول ملموسة يفتح المجال أمام مزيد من الاحتقان الشعبي، ويمنح الأطراف المتصارعة فرصة لتوسيع خطابها السياسي على حساب القضايا الأساسية التي ينتظر المواطن معالجتها. وهكذا يجد المواطن نفسه بين ضغوط الحياة اليومية وموجات التصعيد السياسي، فيما تبقى الحلول الفعلية رهينة قرارات وإجراءات لم تصل بعد إلى مستوى تطلعاته.
اتهامات بتوظيف الأزمات.. من المستفيد من إرباك الجنوب؟
تتمحور إحدى أبرز القراءات السياسية للمشهد حول احتمال استثمار الأزمات المتعاقبة لإرباك الجنوب وإضعاف قدرته على الحفاظ على الاستقرار. ويرى أصحاب هذا الطرح أن تزامن بعض الاختناقات مع التصعيد السياسي والإعلامي يستدعي التدقيق في خلفياتها، والبحث في الجهات التي قد تستفيد من اتساع حالة الغضب الشعبي أو تراجع الثقة بالمؤسسات.
وفي هذا الإطار، تتجه اتهامات سياسية إلى قوى تصفها أطراف جنوبية بالإرهابية، باعتبار أن استمرار الاضطراب قد يوفر بيئة ملائمة لتوسيع النفوذ أو إرباك الجهود الأمنية. كما تتناول هذه الاتهامات أطرافاً مرتبطة بمنظومة الشرعية التي ينتقدها خصومها بسبب وجود عدد من قياداتها خارج البلاد، وبسبب ما يصفه منتقدون بالقصور في الاستجابة للاحتياجات المعيشية والخدمية للمواطنين.
لكن تحويل هذه الاتهامات إلى استنتاجات قطعية بشأن وجود مخطط منظم لصناعة الأزمات يتطلب أدلة محددة، تشمل الوقائع الموثقة، والقرارات ذات الصلة، والجهات التي اتخذتها، وأي روابط مثبتة بين الأفعال والنتائج. فالمسؤولية السياسية يمكن مناقشتها استناداً إلى الأداء والقرارات والنتائج، أما المسؤولية عن افتعال أزمة أو تمويل نشاط تخريبي فتحتاج إلى مستوى أعلى من الإثبات والتحقيق المستقل.
ومن هنا، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً لا يقتصر على تبادل الاتهامات، بل يمتد إلى معرفة أسباب تعثر المعالجات، وتحديد الأطراف التي تمتلك صلاحيات اتخاذ القرار، ومراجعة مدى التزامها بواجباتها، والكشف عن أي تدخلات أو مصالح تعرقل تقديم الخدمات أو تهدد الأمن والاستقرار.
«شرعية الفنادق».. انتقادات للأداء وأسئلة عن المسؤولية
يستخدم خصوم بعض مكونات الشرعية اليمنية تعبير «شرعية الفنادق» في سياق انتقادهم لقيادات يرون أنها بعيدة عن الواقع المعيشي للمواطنين، ولا تتحمل بصورة مباشرة تبعات الأزمات اليومية. ويعكس هذا التعبير، في الخطاب السياسي الجنوبي، حالة من الاعتراض على الفجوة التي يعتقد منتقدون أنها تفصل بين مراكز القرار وبين المواطنين الذين يواجهون آثار تدهور الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة.
وتتركز الانتقادات في مدى قدرة الجهات المعنية على اتخاذ قرارات فاعلة، وتوفير الموارد اللازمة، ومراقبة أداء المؤسسات، وضمان وصول الخدمات إلى مستحقيها. كما تثير تساؤلات بشأن جدوى استمرار إدارة الملفات الحساسة عبر ترتيبات سياسية لا تنعكس نتائجها بالسرعة المطلوبة على حياة الناس.
ومع ذلك، فإن تقييم أداء أي جهة سياسية ينبغي أن يستند إلى معايير واضحة، من بينها ما تمتلكه من صلاحيات فعلية، والموارد المتاحة لها، والقرارات التي اتخذتها أو عطلتها، والنتائج التي ترتبت على أدائها. فالمساءلة الجادة لا تقوم على الأوصاف وحدها، وإنما على مقارنة الالتزامات المعلنة بالنتائج المحققة، وتحديد أوجه التقصير والجهات المسؤولة عنها.
وفي المحصلة، فإن أي منظومة سياسية تتولى مسؤوليات عامة مطالبة بتقديم إجابات واضحة عن أسباب استمرار الأزمات، والإجراءات التي اتخذتها لمعالجتها، والجدول الزمني لتنفيذ الوعود، والآليات التي تضمن عدم تكرار الاختلالات. أما الاكتفاء بالبيانات المتبادلة وتبادل المسؤولية بين الأطراف، فلن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة وتوسيع المسافة بين المؤسسات والمجتمع.
الأمن والاستقرار.. الخطر الأكبر في تحويل المعاناة إلى ساحة للصراع
لا تتوقف تداعيات الأزمات عند حدود الخدمات والاقتصاد، بل تمتد إلى البيئة الأمنية والاجتماعية. فاستمرار الضغوط المعيشية، وضعف الثقة بالمؤسسات، واتساع الاستقطاب السياسي، كلها عوامل قد تزيد هشاشة المجتمع وتمنح الجماعات المسلحة أو الأطراف الساعية إلى توسيع نفوذها فرصاً إضافية للتحرك.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التعامل مع المخاطر الأمنية بعيداً عن المزايدات، من خلال معلومات دقيقة وتحقيقات مستقلة وتعاون بين المؤسسات المعنية والمجتمع. كما تبرز ضرورة عدم تحميل جماعة أو جهة مسؤولية أعمال محددة من دون أدلة قابلة للتحقق، لأن الاتهامات غير المثبتة قد تزيد الانقسام وتعرقل الوصول إلى الجناة الحقيقيين، في حين أن تجاهل الأدلة المتاحة أو عدم التحقيق في الانتهاكات يترك الباب مفتوحاً أمام تكرارها.
إن حماية الجنوب من الاضطرابات لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل تتطلب معالجة الأسباب التي تغذي الاحتقان، وتعزيز سيادة القانون، ومحاسبة المتورطين في أعمال العنف والفساد وفق إجراءات عادلة وشفافة، فضلاً عن تحييد الخدمات الأساسية عن التجاذبات السياسية، وضمان ألا يتحمل المواطن كلفة الصراع بين مراكز النفوذ.
الجنوب بحاجة إلى حلول.. لا إلى أزمات متجددة
في ظل هذا المشهد، تبرز الحاجة إلى الانتقال من دائرة الاتهامات المتبادلة إلى مسار واضح للمساءلة والمعالجة. ويتطلب ذلك نشر المعلومات المتعلقة بإدارة الموارد العامة، وتوضيح أسباب تعثر المشاريع والخدمات، وإجراء مراجعات مستقلة للملفات التي تحيط بها شبهات فساد أو سوء إدارة، إلى جانب تحديد المسؤوليات وفق الأدلة والاختصاصات القانونية.
كما أن معالجة الأزمات المعيشية تستلزم وضع أولويات قابلة للتنفيذ، وإعلان جداول زمنية واضحة، وإتاحة المعلومات للرأي العام، وفتح المجال أمام الصحافة والجهات الرقابية لمتابعة الأداء. فكلما ازدادت الشفافية، تراجعت مساحة الشائعات، وأصبح من الأسهل التمييز بين الإخفاق الإداري والتدخل المتعمد، وبين الاتهام السياسي والواقعة المثبتة.
ولا تقل أهمية عن ذلك ضرورة تحييد احتياجات المواطنين عن الصراع السياسي، لأن الخدمات الأساسية ليست امتيازاً تمنحه جهة سياسية أو ورقة تفاوضية تستخدمها أطراف متنافسة، بل مسؤولية عامة ينبغي الوفاء بها بصرف النظر عن الخلافات والتحالفات.
الخلاصة.. من يبدد الأزمات ومن يراكمها؟
إن الجدل المتصاعد بشأن صناعة الأزمات في الجنوب يعكس أزمة أعمق تتعلق بالثقة والمساءلة وطبيعة إدارة الصراع السياسي. وبين اتهامات توجهها أطراف جنوبية إلى قوى تصفها بالإرهابية وإلى أطراف في منظومة الشرعية، وبين تفسيرات ترتبط بالاختلالات الإدارية والاقتصادية وتعقيدات المشهد اليمني، تبقى الحاجة قائمة إلى أدلة واضحة تكشف أسباب الأزمات وتحدد المسؤوليات بعيداً عن التوظيف السياسي.
فإذا كانت هناك أطراف تتعمد استغلال معاناة المواطنين أو الإسهام في زعزعة الاستقرار، فإن كشف ذلك يتطلب توثيقاً وتحقيقاً ومحاسبة قانونية. وإذا كانت الأزمة ناتجة عن سوء إدارة أو قصور مؤسسي، فإن مواجهتها تبدأ بالاعتراف بالمشكلة وتصحيح مسار القرارات ومحاسبة المقصرين.
وفي الحالتين، لا ينبغي أن يبقى المواطن الجنوبي الحلقة الأضعف في معادلة الصراع، ولا أن تتحول أزماته اليومية إلى مادة للمزايدات السياسية أو وسيلة لتصفية الحسابات. فالمعيار الحقيقي لأي طرف يدّعي الحرص على الجنوب هو ما يقدمه من حلول ملموسة، وما يحققه من استقرار، وما يلتزم به من شفافية ومساءلة.
إن مستقبل الجنوب لا يمكن أن يُبنى على استمرار الأزمات أو تدويرها، بل على معالجة أسبابها، وكشف الحقائق المتعلقة بها، ومحاسبة المسؤولين عنها، ووضع مصلحة المواطنين فوق الحسابات الضيقة. أما الحديث عن صناعة الأزمات، فسيظل اتهاماً سياسياً يحتاج إلى البرهان، فيما تبقى معاناة الناس واقعاً يستوجب المعالجة العاجلة، لا التأجيل ولا الاستثمار السياسي.

فيديو