الجنوب في مرمى الصواريخ وحسابات السياسة.. هل يُترك وحده لمواجهة التصعيد وسط صمت إقليمي مقلق؟

تقارير - منذ ساعتان

عدن،عين الجنوب || خاص

في ظل تصاعد التهديدات الأمنية واستمرار الهجمات الصاروخية التي تستهدف العاصمة عدن ومناطق جنوبية، تتجدد التساؤلات بشأن مستقبل المشهد العسكري والسياسي في الجنوب، وحدود الحماية المتاحة للمدن والسكان، ومآلات القرارات السياسية التي تتحكم بمسار المواجهة في ظل تعقيدات المشهد اليمني وتعدد مراكز النفوذ.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه حدة الانتقادات الموجهة إلى القوى السياسية والعسكرية المعنية بإدارة الأزمة اليمنية، وسط اتهامات لها بتقديم حساباتها الخاصة على متطلبات المواجهة الميدانية، وعدم إيلاء أمن المحافظات الجنوبية وسلامة سكانها ما يستحقانه من اهتمام. ويرى منتقدون أن استمرار استهداف المدن الجنوبية بالصواريخ الباليستية، في ظل غياب منظومة دفاعية قادرة على توفير الحماية الكافية، يضع علامات استفهام كبيرة أمام طبيعة الترتيبات الأمنية القائمة، ومدى جدية الأطراف المعنية في التعامل مع المخاطر المتصاعدة.
صواريخ تهدد المدن وأسئلة حول منظومة الحماية
يمثل استهداف المناطق الجنوبية بالصواريخ الباليستية تحدياً أمنياً بالغ الخطورة، لا سيما عندما تكون الأحياء السكنية والمناطق المدنية ضمن نطاق التهديد. فهذه الهجمات لا تقتصر آثارها على الجانب العسكري، بل تمتد إلى حياة السكان اليومية، وتثير المخاوف بشأن سلامة المدنيين، واستقرار المؤسسات والمرافق الحيوية، وقدرة السلطات المحلية على التعامل مع تداعيات التصعيد.
وفي هذا السياق، تتصاعد المطالب بضرورة توفير منظومة دفاعية أكثر فاعلية لحماية عدن وبقية المناطق الجنوبية، إلى جانب تعزيز التنسيق العسكري والأمني، ووضع خطط واضحة للتعامل مع الهجمات الصاروخية والتهديدات المحتملة.
ويثير استمرار المخاطر، بالتوازي مع ما يُوصف بضعف الاستجابة السياسية والعسكرية، تساؤلات بشأن المسؤولية عن حماية السكان، والجهات التي تملك القرار الفعلي في إدارة الملف الأمني، ومدى استعدادها لاتخاذ إجراءات عملية تتناسب مع حجم التهديدات.
وتذهب انتقادات سياسية جنوبية إلى اعتبار أن ترك المدن عرضة للهجمات، من دون توفير الحماية اللازمة، لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد إخفاق عابر، بل يستدعي مراجعة شاملة للسياسات الأمنية والعسكرية، وتحديد أوجه القصور، ومساءلة الجهات المعنية عن أسبابها.
معركة القرار السيادي وسط تعقيدات المشهد اليمني
لا تنفصل التطورات الأمنية عن الخلافات السياسية العميقة التي تحيط بمستقبل الجنوب وموقعه في المعادلة اليمنية. فمنذ سنوات، ظل ملف الجنوب محوراً للتجاذبات بين قوى متعددة، تختلف في رؤيتها لشكل الدولة ومستقبل السلطة وتوزيع النفوذ، الأمر الذي انعكس على طبيعة التحالفات وعلى مسارات المواجهة العسكرية والسياسية.
ويتمحور جانب من الجدل الراهن حول حق الجنوبيين في اتخاذ قراراتهم السياسية والعسكرية بصورة مستقلة، بعيداً عن الضغوط التي قد تفرضها مصالح الأطراف المختلفة. ويؤكد أنصار هذا التوجه أن أي ترتيبات مستقبلية لا تراعي إرادة الجنوبيين وتطلعاتهم السياسية ستظل عرضة للخلافات، مهما تعددت التحالفات أو تغيرت موازين القوى.
وفي المقابل، تكشف تعقيدات الواقع اليمني عن تداخل المصالح المحلية والإقليمية، بما يجعل القرارات المتعلقة بالحرب والسلام والأمن مرتبطة بحسابات تتجاوز حدود الجبهات العسكرية. وهو ما يفرض ضرورة التمييز بين المواقف المعلنة للأطراف المختلفة وبين السياسات الفعلية التي تنعكس على الأرض.
وتبرز هنا إشكالية جوهرية تتعلق بمدى قدرة القوى الجنوبية على حماية مصالح مناطقها، مع الحفاظ على التوازنات السياسية والعسكرية اللازمة لمواجهة التهديدات، من دون أن تتحول التحالفات إلى قيود تحد من استقلالية القرار أو تضع الأولويات المحلية في مرتبة متأخرة.
تضحيات الجبهات الجنوبية تعيد فتح ملف الشراكة السياسية
تعود إلى الواجهة، بالتزامن مع التصعيد الأمني، مسألة التضحيات التي قدمها المقاتلون الجنوبيون في جبهات المواجهة، وما إذا كانت هذه التضحيات قد انعكست بصورة عادلة على موقع الجنوب في المعادلة السياسية.
وتذهب انتقادات جنوبية إلى أن أبناء الجنوب تحملوا أعباء كبيرة خلال سنوات الحرب، وشاركوا في مواجهات عسكرية متعددة، لكن النتائج السياسية لم ترتقِ، وفق هذا الطرح، إلى مستوى التضحيات المبذولة أو التطلعات المتعلقة بمستقبل الجنوب وحقه في تقرير مصيره.
ويستند هذا الخطاب إلى قناعة مفادها أن الشراكة السياسية لا ينبغي أن تقتصر على المشاركة في المعارك وتحمل الخسائر، بل يجب أن تشمل الاعتراف المتبادل بالتضحيات، وضمان التمثيل العادل، وإتاحة المجال أمام الجنوبيين للمشاركة الفعلية في تحديد مستقبلهم السياسي.
كما يثير هذا الجدل تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بين القوى الجنوبية والأطراف اليمنية الأخرى، ومدى قدرة هذه العلاقة على تجاوز الخلافات التاريخية وبناء تفاهمات واضحة حول القضايا المصيرية، بدلاً من إبقاء الملفات الأساسية رهينة للتجاذبات والتفاهمات المؤقتة.
اتهامات بتقاطع الخطابات وتباين المصالح
ومن أبرز جوانب السجال السياسي الدائر الاتهامات الموجهة إلى بعض القوى المناهضة للحوثيين، بشأن تقاطع مواقفها الإعلامية والسياسية مع خطابات أطراف أخرى، رغم اختلاف مواقعها المعلنة في الصراع.
ويرى منتقدون أن استمرار الخطاب السياسي نفسه لسنوات، من دون تحقيق نتائج ملموسة على صعيد حسم الصراع أو معالجة القضايا الوطنية العالقة، يثير تساؤلات بشأن جدوى السياسات المتبعة، ومدى ارتباطها بأهداف واضحة قابلة للتحقق.
وتتركز الانتقادات بصورة خاصة على ما يعتبره خصوم تلك القوى ازدواجية في ترتيب الأولويات؛ إذ يُطلب من الجنوبيين مواصلة المشاركة في المواجهات العسكرية، في حين تبقى قضاياهم السياسية ومطالبهم المتعلقة بمستقبلهم موضع خلاف وتأجيل.
غير أن تقييم هذه الاتهامات يظل مرتبطاً بفحص المواقف والقرارات والنتائج الفعلية لكل طرف، بعيداً عن الاكتفاء بالتوصيفات السياسية أو الأحكام العامة. فالتحدي الأساسي يتمثل في معرفة ما إذا كانت السياسات القائمة تسهم في تقليص التهديدات وتحقيق الاستقرار، أم أنها تعيد إنتاج الأزمة وتعمق فجوة الثقة بين القوى المختلفة.
بين مواجهة الحوثيين وترتيب الأولويات الجنوبية
يفرض استمرار التهديدات الصاروخية تحدياً مزدوجاً أمام القوى الجنوبية؛ يتمثل الأول في حماية المدن والسكان من المخاطر الأمنية، بينما يرتبط الثاني بتحديد طبيعة الدور الذي ينبغي أن يؤديه الجنوب في الصراع اليمني الأوسع.
وفي هذا الإطار، تتباين الرؤى بشأن حدود المشاركة العسكرية المطلوبة، وطبيعة العلاقة مع القوى السياسية والعسكرية الأخرى، والضمانات التي ينبغي توافرها قبل الانخراط في أي ترتيبات جديدة.
ويؤكد أنصار إعطاء الأولوية للقرار الجنوبي أن حماية الأرض والسكان وتعزيز الأمن الداخلي ينبغي أن يحتلا موقعاً متقدماً في أي استراتيجية سياسية أو عسكرية، وأن المشاركة في أي مواجهة يجب أن ترتبط بأهداف واضحة ومصالح محددة، لا أن تتحول إلى التزام مفتوح لا تقابله ضمانات سياسية.
كما يشدد هذا الاتجاه على أن استمرار الخلافات الداخلية وتعدد مراكز القرار قد يضعفان القدرة على مواجهة التهديدات، ويمنحان الأطراف المعادية فرصاً للاستفادة من الانقسامات. ولذلك، تبرز الحاجة إلى تنسيق المواقف، وتوحيد الجهود الأمنية، وتعزيز المؤسسات القادرة على حماية السكان وإدارة الأزمات.
المرجعيات الجنوبية ومستقبل المشروع السياسي
في موازاة التحديات الأمنية، يتمسك الخطاب السياسي الجنوبي المؤيد لاستعادة الدولة بمرجعياته الوطنية والسياسية، وفي مقدمتها البيان السياسي والإعلان الدستوري والميثاق الوطني الجنوبي، باعتبارها أطرًا يستند إليها في تحديد أهداف المشروع السياسي ومواقفه من مستقبل الجنوب.
ويؤكد أنصار هذا التوجه أن التمسك بهذه المرجعيات يمثل محاولة للحفاظ على وحدة الرؤية السياسية، ومنع تراجع القضية الجنوبية أمام ضغوط الحرب والتحالفات والتسويات المحتملة.
لكن تحويل هذه المرجعيات إلى نتائج ملموسة يتطلب، إلى جانب المواقف المعلنة، بناء مؤسسات فاعلة، وتعزيز التوافق الداخلي، وتطوير رؤية واضحة لإدارة الملفات الأمنية والاقتصادية والخدمية، فضلاً عن صياغة مقاربة سياسية تستطيع التعامل مع المتغيرات المحلية والإقليمية.
فالقضايا المرتبطة بمستقبل الدولة والتمثيل السياسي لا تُحسم بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى عمل سياسي منظم، وتفاهمات واضحة، وقدرة على إدارة الخلافات، وتقديم تصورات عملية بشأن شكل الحكم والحقوق والضمانات التي تكفل الاستقرار.
صمت الأطراف المعنية يضاعف المخاوف
في ظل استمرار التهديدات، تتجه الأنظار إلى الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالملف اليمني، وسط مطالبات باتخاذ مواقف أكثر وضوحاً تجاه حماية المدنيين ومنع اتساع نطاق التصعيد.
وتعبر انتقادات جنوبية عن استياء من محدودية الاستجابة لما تواجهه المدن الجنوبية من مخاطر، معتبرة أن غياب الإجراءات الكافية قد يؤدي إلى تعميق الشعور بالتهميش، وإضعاف الثقة في الترتيبات الأمنية والسياسية القائمة.
ومع ذلك، فإن تحديد المسؤوليات بدقة يقتضي توضيح طبيعة الالتزامات القائمة، والإمكانات المتاحة، والقرارات التي اتخذتها الجهات المعنية أو امتنعت عن اتخاذها. كما أن تقييم دور الأطراف الإقليمية يحتاج إلى الاستناد إلى مواقف موثقة وإجراءات عملية، لا إلى الافتراضات وحدها.
وتظل الأولوية العاجلة هي حماية السكان، وتعزيز قدرات الاستجابة للتهديدات، ومنع استهداف المناطق المدنية، والعمل على إيجاد ترتيبات أمنية أكثر استدامة، بعيداً عن الحسابات التي قد تجعل حياة المدنيين ورقة ضمن الصراع السياسي.
الجنوب أمام اختبار جديد
تكشف التطورات الراهنة عن مرحلة دقيقة تتداخل فيها التهديدات العسكرية مع الخلافات السياسية والأسئلة المتعلقة بمستقبل الجنوب. وبين المخاوف من استمرار الهجمات، والانتقادات الموجهة إلى القوى المعنية بإدارة الأزمة، والتمسك بالمشروع السياسي الجنوبي، تتزايد الحاجة إلى مراجعة شاملة للأولويات وآليات اتخاذ القرار.
فالرهان الحقيقي لا يقتصر على الصمود أمام الهجمات، بل يمتد إلى القدرة على حماية المدنيين، وتحصين الجبهة الداخلية، وبناء مؤسسات أمنية وسياسية فاعلة، وضمان أن تكون التضحيات مدخلاً إلى حلول مستدامة لا سبباً في تجدد الأزمات.
وفي نهاية المطاف، ستظل قدرة الجنوب على تجاوز هذه المرحلة مرتبطة بمدى نجاح قواه في الجمع بين متطلبات الأمن والاستقرار، ووحدة الموقف الداخلي، ووضوح الرؤية السياسية، إلى جانب إدارة علاقاتها مع الأطراف الأخرى على أساس المصالح والالتزامات المتبادلة.
أما استمرار التصعيد من دون معالجة أسبابه الأمنية والسياسية، فقد يفتح الباب أمام مزيد من التوتر، ويعمق الخلافات القائمة، ويجعل المدن والسكان أكثر عرضة لتداعيات صراع لم تعد تحدياته عسكرية فحسب، بل باتت ترتبط أيضاً بمستقبل القرار السياسي وشكل التسوية التي يمكن أن تنهي سنوات طويلة من الاضطراب.

فيديو