تحالف مكة في طهران.. من يرسم مستقبل المنطقة، وأين تقف القضية الجنوبية على طاولة التفاهمات الكبرى

تقارير - منذ ساعتان

عين الجنوب ||خاص:
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتجه الأنظار نحو العاصمة الإيرانية طهران، حيث تتحرك دول تحالف مكة في مسعى لاحتواء التصعيد وفتح نافذة جديدة أمام الدبلوماسية، وسط تشابك ملفات الأمن الإقليمي والحرب في اليمن والتنافس على النفوذ وممرات الملاحة. غير أن هذا الحراك، الذي يحمل أبعادًا تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين العواصم المعنية، يثير تساؤلًا جوهريًا لدى الشارع الجنوبي: أين تقف القضية الجنوبية من هذه اللقاءات؟ وهل ستكون جزءًا من التفاهمات المقبلة، أم ستظل ملفًا مؤجلًا إلى حين انتهاء المساومات الإقليمية؟
في 26 أكتوبر 2026، أعلنت وزارة الخارجية السعودية أن زيارة وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان وممثلي دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك إلى طهران تأتي في إطار جهود خفض التصعيد، وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية، ودعم الوساطة القطرية والباكستانية. وبذلك، فإن العنوان الرسمي للتحرك يتمثل في منع اتساع المواجهة وإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة. لكن خلف هذا العنوان، تتزاحم ملفات متعددة، من أمن الخليج إلى مستقبل الحرب في اليمن، وما يرتبط بها من حسابات سياسية وعسكرية.
طهران.. حين تتحول الدبلوماسية إلى اختبار للمصالح
لا يمكن قراءة زيارة تحالف مكة إلى طهران بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع؛ فالعواصم المشاركة تتحرك في بيئة تتقاطع فيها المخاوف الأمنية مع المصالح الاقتصادية، وتزداد فيها الحاجة إلى منع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد تتجاوز آثارها حدود الدول المتصارعة.
وتشير التقارير المنشورة بشأن اللقاءات إلى أن المباحثات تتصل بأمن المنطقة، وخفض التصعيد، ودعم الجهود الرامية إلى استئناف الحوار بين واشنطن وطهران، إلى جانب الملفات المرتبطة باليمن والممرات البحرية. وهذا يعني أن التحرك لا يقتصر على تبادل الرسائل السياسية، بل يندرج ضمن محاولة أوسع لإدارة الأزمات المتشابكة ومنع تحولها إلى صراع إقليمي طويل الأمد.
ومع ذلك، فإن أهمية هذه اللقاءات لا تكمن فقط في انعقادها، بل في النتائج التي يمكن أن تترتب عليها، وفي طبيعة التفاهمات التي قد تتبلور لاحقًا. فالدبلوماسية، مهما اتسعت قنواتها، تظل محكومة بتوازن المصالح، وبمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة.
ومن هنا، يصبح السؤال المتعلق باليمن أكثر إلحاحًا: هل تتجه الأطراف إلى معالجة الأزمة اليمنية بوصفها قضية سياسية وطنية ذات جذور عميقة، أم أنها ستظل تُدار ضمن حسابات الأمن الإقليمي واحتواء التهديدات المتبادلة؟
اليمن في قلب المعادلة.. والجنوب أمام سؤال المصير
يمثل اليمن أحد الملفات التي تتقاطع فيها المصالح الإقليمية بصورة مباشرة، بحكم موقعه الجغرافي وإطلالته على ممرات بحرية استراتيجية، فضلًا عن ارتباط أزمته بالتوازنات الأمنية في شبه الجزيرة العربية.
لكن اليمن، في الوقت نفسه، ليس مجرد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا ملفًا أمنيًا يمكن اختزاله في مسألة وقف الهجمات أو تأمين الحدود والممرات البحرية. فهو بلد يعيش أزمة سياسية ممتدة، تتداخل فيها قضايا السلطة والتمثيل والشراكة والثروة والهوية ومستقبل الدولة.
وفي قلب هذه الأزمة تقف القضية الجنوبية، بما تحمله من مطالب سياسية وتاريخية، وبما تمثله من تطلعات قطاعات واسعة من الجنوبيين إلى تقرير مستقبلهم السياسي وضمان تمثيلهم في أي تسوية قادمة.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية: قد تنجح التفاهمات الإقليمية في تخفيف التوتر العسكري، وقد تفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها ستقدم حلًا عادلًا للقضية الجنوبية. فالتقدم في مسار العلاقات بين الدول لا يساوي تلقائيًا تقدمًا في مسار معالجة القضايا الوطنية داخل الدول التي تعيش الصراع.
إن وقف الحرب، على أهميته، لا يكفي وحده لبناء سلام مستدام إذا بقيت الأسئلة المتعلقة بالتمثيل السياسي والحقوق والضمانات الدستورية ومصادر السلطة والثروة دون إجابات واضحة.
هل تحضر القضية الجنوبية في الغرف المغلقة؟
حتى الآن، لا توجد في المعلومات المنشورة عن زيارة تحالف مكة إلى طهران أدلة مؤكدة على أن القضية الجنوبية كانت بندًا مستقلًا ومعلنًا على جدول المباحثات. ولذلك، فإن الحديث عن إدراجها في اللقاءات أو التوصل إلى تفاهمات بشأن مستقبلها يظل في نطاق التحليل، ما لم تصدر تصريحات أو وثائق تثبت ذلك.
لكن غياب الإعلان عن القضية الجنوبية لا يلغي احتمال تأثرها بمخرجات التفاهمات الإقليمية. فحين تتناول الأطراف ملفات اليمن والأمن البحري والعلاقات مع القوى الفاعلة في الصراع، فإن نتائج هذه النقاشات قد تنعكس على البيئة السياسية التي تتحرك فيها مختلف القوى اليمنية، بما فيها القوى الجنوبية.
والفارق هنا كبير بين أن تتأثر القضية الجنوبية بالتفاهمات الإقليمية، وبين أن تكون طرفًا حاضرًا في صياغتها. ففي الحالة الأولى، قد تجد القوى الجنوبية نفسها أمام ترتيبات تُصاغ خارج مؤسساتها التمثيلية. أما في الحالة الثانية، فإنها تستطيع طرح رؤيتها ومطالبها بصورة مباشرة، والدفاع عن موقعها في أي عملية سياسية مقبلة.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الأهم ليس فقط ما الذي ستتفق عليه الرياض وطهران وأنقرة وإسلام آباد، بل أيضًا: ما الضمانات التي تحول دون أن تتحول أي تسوية إقليمية إلى إطار لإدارة الأزمة اليمنية دون معالجة جذورها السياسية؟
إن القضية الجنوبية تحتاج إلى حضور واضح في أي مسار تفاوضي يتناول مستقبل اليمن، لا باعتبارها تفصيلًا ثانويًا يمكن تأجيله، بل بوصفها إحدى القضايا الرئيسية التي يتوقف عليها شكل التسوية ومدى قبولها واستدامتها.
بين الحسابات السعودية والإيرانية.. أين موقع الجنوب؟
تكتسب القضية الجنوبية أهمية إضافية عند النظر إلى طبيعة التنافس والتفاهم بين القوى الإقليمية المؤثرة في الملف اليمني. فالسعودية تنظر إلى اليمن من زاوية ترتبط بأمن حدودها واستقرار محيطها الإقليمي، فيما ترتبط الحسابات الإيرانية بمجموعة من الملفات الأمنية والسياسية التي تتجاوز اليمن إلى المنطقة بأسرها.
ولا يعني ذلك أن مواقف هذه الدول من القضية الجنوبية متطابقة، أو أن أي تفاهم بينها سيحدد تلقائيًا مصير الجنوب. فلكل طرف حساباته وأولوياته، كما أن القوى اليمنية المحلية تمتلك مصالحها ومواقفها الخاصة، ولا يمكن اختزالها في كونها مجرد امتداد لإرادات خارجية.
لكن التجربة السياسية في المنطقة تظهر أن الملفات الداخلية قد تتأثر بشدة بالتفاهمات بين العواصم الكبرى، خصوصًا عندما تتصل هذه الملفات بالصراع العسكري أو أمن الحدود أو الملاحة الدولية.
وعليه، فإن أي تقارب إقليمي بشأن اليمن سيحتاج إلى اختبار حقيقي: هل يفتح الباب أمام تسوية سياسية شاملة تستوعب مختلف القضايا الوطنية، أم يقتصر على تفاهمات أمنية تقلل من مخاطر المواجهة دون أن تعالج أسباب النزاع؟
بالنسبة إلى الجنوب، فإن الإجابة عن هذا السؤال ترتبط بمدى وضوح موقف الأطراف المعنية من حق الجنوبيين في المشاركة الفعلية في تقرير مستقبلهم السياسي، وبوجود ضمانات تمنع تجاوز مطالبهم عند صياغة أي اتفاق نهائي.
القضية الجنوبية.. من ملف تابع إلى قضية تستحق التمثيل المباشر
من أبرز التحديات التي تواجه أي مسار سياسي يمني مسألة التمثيل. فالتسويات لا تُقاس فقط بعدد الأطراف التي توقع عليها، بل بمدى تعبيرها عن القوى والمجتمعات التي ستتأثر بنتائجها.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى أن يكون للقضية الجنوبية حضور سياسي واضح، وأن تُطرح مطالبها عبر قنوات تفاوضية معروفة، وأن تكون هناك آليات تضمن عدم اختزالها في ترتيبات مؤقتة أو تفاهمات لا تعكس تطلعات الجنوبيين.
كما أن تعدد المواقف داخل الساحة الجنوبية يستدعي حوارًا جادًا حول الأولويات والضمانات وشكل التمثيل، بما يساعد على بناء موقف سياسي أكثر وضوحًا بشأن مستقبل الجنوب، دون افتراض أن جميع القوى الجنوبية تتبنى بالضرورة رؤية واحدة أو تصورًا متطابقًا للحل.
ولا ينبغي أن يكون هذا الحضور على حساب بقية الأطراف اليمنية، بل ضمن عملية سياسية تعترف بتعدد القضايا والمظالم والمصالح، وتبحث عن صيغة قابلة للاستمرار بدل الاكتفاء بتجميد الصراع أو إعادة توزيع النفوذ.
فالسلام الذي يتجاهل قضية رئيسية لا يزيل أسباب التوتر، بل قد يؤجل ظهورها مجددًا. والتسوية التي لا تحظى بقبول الأطراف المعنية بها ستظل معرضة للاهتزاز، مهما حظيت من دعم خارجي.
ما الذي ينبغي مراقبته بعد لقاءات طهران؟
لفهم ما إذا كانت زيارة تحالف مكة ستنعكس على مستقبل القضية الجنوبية، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات من النتائج.
أولًا: النتائج الأمنية. ويتعلق ذلك بمدى نجاح الأطراف في خفض التصعيد، وفتح قنوات اتصال مستمرة، ومنع توسع المواجهة. وقد يسهم تحقيق تقدم في هذا الجانب في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة للحوار السياسي، لكنه لا يمثل حلًا للقضية الجنوبية بحد ذاته.
ثانيًا: النتائج السياسية المتعلقة باليمن. وهنا تظهر أهمية متابعة أي مبادرات جديدة بشأن التسوية اليمنية، أو استئناف المفاوضات، أو إعادة ترتيب الأولويات بين الأطراف الإقليمية والمحلية. فإذا اتسعت هذه المبادرات لتشمل قضايا الحكم والتمثيل ومستقبل الدولة، فستكون لها أهمية مباشرة بالنسبة إلى الجنوب.
ثالثًا: موقع القوى الجنوبية في أي عملية تفاوضية. وهذا هو الاختبار الأكثر اتصالًا بمستقبل القضية الجنوبية؛ إذ ينبغي مراقبة ما إذا كانت الترتيبات المقبلة ستوفر مشاركة فعلية للقوى المعنية، أم ستُترك معالجة القضية إلى مرحلة لاحقة دون جدول زمني أو ضمانات واضحة.
ومن المهم هنا عدم التعامل مع كل لقاء إقليمي باعتباره مؤشرًا حاسمًا على اتفاق سري أو تحول نهائي في مواقف الدول. فاللقاءات الدبلوماسية قد تفتح مسارات جديدة، لكن الحكم على نتائجها يحتاج إلى بيانات رسمية وخطوات عملية ومواقف معلنة.
هل يمكن أن تتحول التهدئة إلى فرصة للجنوب؟
من الممكن أن توفر التهدئة الإقليمية فرصة لإعادة طرح القضية الجنوبية بصورة أكثر تنظيمًا، إذا اقترنت بتحرك سياسي واضح وحوار جاد حول مطالب الجنوبيين وموقعهم في التسوية النهائية.
لكن هذه الفرصة ليست نتيجة مضمونة لأي اتفاق إقليمي، ولا ينبغي افتراض أن خفض التصعيد سيؤدي تلقائيًا إلى الاعتراف بمطالب الجنوب أو تحقيقها. فذلك يتوقف على طبيعة العملية السياسية، وعلى مواقف الأطراف اليمنية، وعلى مدى استعداد الوسطاء والدول المعنية لدعم تسوية تتعامل مع جذور الأزمة بدل الاكتفاء بإدارة تداعياتها.
وتكمن أهمية المرحلة الراهنة في أن أي إعادة ترتيب للأولويات الإقليمية قد تؤثر في شكل المفاوضات المقبلة. ومن هنا، يصبح التحرك السياسي الجنوبي، والحوار الداخلي، وتحديد المطالب والضمانات بصورة واضحة، عناصر مهمة لضمان عدم غياب القضية عن النقاشات المتعلقة بمستقبل اليمن.
كما أن تقديم رؤية سياسية متماسكة بشأن الحكم والتمثيل والحقوق والموارد والعلاقات بين مختلف الأطراف قد يساعد على جعل القضية الجنوبية جزءًا واضحًا من أي مسار تفاوضي، بدل أن تبقى موضوعًا للتأويل أو التجاذب السياسي.
الخلاصة.. سلام الإقليم لا يكتمل بتجاهل قضايا الشعوب
إن زيارة تحالف مكة إلى طهران، وفق ما أعلنته الأطراف المعنية، تأتي في إطار السعي إلى خفض التصعيد ودعم الحوار الدبلوماسي. أما ما إذا كانت ستفضي إلى تفاهمات جديدة بشأن اليمن، وما إذا كانت هذه التفاهمات ستتطرق إلى القضية الجنوبية بصورة مباشرة، فلا يزال أمرًا يحتاج إلى متابعة النتائج والمواقف الرسمية.
ومع ذلك، فإن الدرس السياسي الأبرز يتمثل في ضرورة التمييز بين تسوية إقليمية توقف التصعيد، وتسوية سياسية تعالج أسباب الصراع وتحدد مستقبل الأطراف المتأثرة به.
فالقضية الجنوبية لا يمكن اختزالها في حسابات أمن الحدود أو حماية الممرات البحرية أو التفاهمات بين العواصم. إنها قضية سياسية تحتاج إلى معالجة واضحة، وتمثيل فعلي، وضمانات قابلة للتنفيذ ضمن أي تسوية مستقبلية.
وفي النهاية، لن يكون السؤال الحاسم هو ما إذا كانت طهران والرياض ستتمكنان من فتح صفحة جديدة في علاقاتهما فحسب، بل ما إذا كانت أي تفاهمات إقليمية ستساعد على فتح طريق حقيقي أمام حل القضايا اليمنية، وفي مقدمتها القضية الجنوبية.
فبينما تبحث العواصم عن صيغة تضمن أمن المنطقة، يبقى الاختبار الحقيقي لأي سلام مقبل هو قدرته على استيعاب مطالب الشعوب، ومنح القضايا الوطنية مكانها المستحق على طاولة السياسة، بدل تركها رهينة لتفاهمات لا تشارك في صياغتها.

فيديو