صالح حقروص

الحلقة الأولى: كيف يُراد دفن الحقيقة؟ أسرار محاولة إخفاء جريمة قتل مئات الجنود من القوات المسلحة الجنوبية في حضرموت

مقالات - منذ 1 يوم

لم يكن الحديث عن حل المجلس الانتقالي الجنوبي خطوة عابرة أو إجراءً سياسيًا عاديًا، بل يأتي في سياق أوسع لمحاولة طمس واحدة من أخطر جرائم الحرب والقتل المئات من الجنود القوات المسلحة الجنوبية في محافظات حضرموت والمهره.

السؤال الجوهري هنا: لماذا الآن؟
للإجابة، لا بد من العودة إلى اتفاق الرياض (نوفمبر 2019)، الاتفاق الذي وُقّع بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي برعاية وضمانة السعودية. هذا الاتفاق لم يكن مجرد تفاهم سياسي، بل وثيقة ملزمة تتضمن بنودًا واضحة، أبرزها إعادة تموضع القوات العسكرية.
كان من صلب الاتفاق إخراج القوات الشمالية من محافظات حضرموت والمهرة وشبوة، ونقلها إلى مأرب لمواجهة الحوثيين، على أن تُستبدل بقوات جنوبية تتبع المجلس الانتقالي الجنوبي.

لكن ما الذي حدث؟

مرت أكثر من ست سنوات دون تنفيذ هذا البند. لم تتحرك السعودية — بوصفها الضامن — لتنفيذه، لا سلميًا ولا عبر أي ضغط فعلي، رغم أن الاتفاق يمنحها هذا الدور بشكل صريح. ظل الوضع كما هو، في تجاهل واضح لبند أساسي من الاتفاق.

ثم جاء التحول الحاسم.

عندما تحركت القوات الجنوبية على الأرض، وقامت بإخراج القوات الشمالية من حضرموت والمهرة وتأمين المحافظتين، لم يكن الرد دعم تنفيذ الاتفاق، بل كان — على العكس — تدخلًا عسكريًا مباشرًا.
قصفٌ… سقوط مئات الجنود… وإعادة فرض الواقع بالقوة.

هنا تتشكل المفارقة الكبرى:
القوات التي يُفترض — وفق اتفاق رعته السعودية نفسها — أن تنتشر منذ عام 2019، يتم استهدافها عسكريًا عند انتشارها في نهاية 2025.

كيف يمكن تفسير ذلك؟
وفق هذا التحليل، وجدت السعودية نفسها أمام معضلة:
وجود اتفاق الرياض بحد ذاته يُضعف أي رواية تعتبر انتشار القوات الجنوبية تهديدًا، لأن الاتفاق ينص صراحة على هذا الانتشار، والسعودية كانت الضامن لتنفيذه.
أي أن الاتفاق أصبح شاهدًا ضد الرواية.

ومن هنا يظهر الهدف الحقيقي:
إسقاط الاتفاق نفسه.
لكن كيف؟
عبر استهداف أحد أطرافه الأساسية: المجلس الانتقالي الجنوبي.
فإذا تم حل المجلس أو إضعافه، فإن الاتفاق يفقد أحد أعمدته، وبالتالي يفقد شرعيته العملية، وتتحرر الجهة الضامنة من أي التزام سياسي أو قانوني ببنوده.
بمعنى آخر:
بدل تفسير ما حدث، يتم السعي لإلغاء الإطار الذي يكشف التناقض.
هذه ليست مجرد خطوة سياسية، بل محاولة لإعادة كتابة الواقع، وإغلاق ملف دموي عبر تفريغ الاتفاق الذي قد يُستخدم كدليل إدانة.
ويبقى السؤال مفتوحًا:

هل ما يجري هو إعادة ترتيب للمشهد السياسي… أم محاولة منظمة لدفن الحقيقة؟

انتظرونا في الحلقة القادمة 

الحلقة الثانية: من المستفيد؟
تفكيك شبكة المصالح خلف إبقاء القوات الشمالية في حضرموت والمهرة.

فيديو