صالح حقروص

الجنوب وأهمية الوحدة: قراءة في موقف الانتقالي ودوره الاستراتيجي

مقالات - منذ 1 ساعة

يمر الجنوب العربي بمرحلة دقيقة من تاريخه السياسي، تتقاطع فيها التحديات الداخلية مع التعقيدات الإقليمية، ما يجعل الحاجة إلى خطاب عقلاني واستراتيجية متوازنة أمرًا لا يحتمل التأجيل. وفي هذا السياق، يأتي خطاب أ. د. عبدالناصر الوالي وزير الخدمة المدنية والتامينات السابق ليعكس درجة عالية من الوعي السياسي، ويقدم قراءة مسؤولة لمجريات المشهد الجنوبي وعلاقاته الإقليمية.
أحد أبرز ملامح هذا الخطاب هو رفض منطق الهزيمة والاستسلام، في وقت تحاول فيه بعض الأطراف تصوير الجنوب كطرف خاسر في معادلة الصراع. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن القضية الجنوبية لم تكن يومًا وليدة لحظة، بل هي امتداد لنضال طويل تشكل عبر عقود من الحراك الشعبي والمقاومة، ما يجعلها أكثر رسوخًا من أن تختزل في مكسب أو خسارة ظرفية.
وفي السياق ذاته، يبرز تأكيد واضح على أن المجلس الانتقالي الجنوبي ليس صنيعة أي طرف خارجي، بل هو تعبير سياسي عن إرادة جنوبية متراكمة. هذا الطرح لا يعزز فقط شرعية المجلس، بل يعيد توجيه النقاش نحو جوهر القضية، بعيدًا عن محاولات التشكيك أو التقليل من استقلالية القرار الجنوبي.
كما يكتسب الحديث عن العلاقات مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان أهمية خاصة، حيث يرسخ الخطاب مبدأ أن استقرار الجنوب لا يمكن فصله عن محيطه الإقليمي. فالعلاقة مع دول الجوار ليست خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة استراتيجية تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، في مواجهة محاولات التحريض والتأزيم التي لا تخدم سوى الفوضى.
أما على مستوى الرؤية المستقبلية، فإن ثوابت المشروع الجنوبي تبدو واضحة: استعادة الدولة، بناء نظام فيدرالي، احترام الآخر، وتمكين الشعب من اختيار ممثليه. وهي ثوابت تعكس توازنًا بين الطموح السياسي والواقعية العملية، وتؤكد أن تحقيق الأهداف الكبرى لا يكون عبر الصدام، بل عبر التدرج، والحكمة، وإدارة الاختلاف بذكاء.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الجنوب اليوم لا يكمن فقط في خصومه، بل في قدرته على الحفاظ على تماسكه الداخلي، وتجنب الانزلاق نحو الانقسام أو الاستقطاب. فالتجارب السياسية أثبتت أن المشاريع الوطنية تسقط من الداخل قبل أن تُهزم من الخارج، وأن الوحدة ليست شعارًا، بل ممارسة يومية قائمة على التفاهم والتنازل المتبادل.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية استحضار البعد الفكري في قراءة الواقع السياسي. وكما عبّر الفيلسوف جيدو كريشنامورتي بقوله: \"لماذا تفترض أني أرى طريقين؟\"، وهي الإشارة التي استحضرها أ. د. عبدالناصر الوالي، فإن الجنوب ليس أمام خيارين متناقضين بين الاستسلام أو المواجهة، بل أمام طريق واحد واضح؛ طريق الوعي، والوحدة، والعمل الاستراتيجي.
طريق قد يبدو شاقًا، لكنه الطريق الذي تصنعه الشعوب الواعية، وتنتصر فيه الإرادة على التحديات، ويُبنى من خلاله مستقبل يليق بتضحيات أبناء الجنوب وتطلعات أجياله القادمة.
وفي المحصلة، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الجنوبيين في تحويل هذه المرحلة الحساسة إلى نقطة انطلاق نحو مشروع وطني جامع، يؤسس لدولة مستقرة، ويعيد صياغة العلاقة مع الداخل والخارج على أسس متينة من الحكمة والشراكة. فالوحدة ليست خيارًا ثانويًا، بل هي الشرط الأول لأي انتصار مستدام.

فيديو