حكومة “التدوير الكبير”.. وجوه تتبدّل والمشهد يزداد قتامة

تقارير - منذ 11 ساعة

عين الجنوب|| خاص:
في ظل أوضاع معيشية خانقة يعيشها المواطن في الجنوب والشمال على حد سواء، برز تشكيل حكومي جديد قُدّم بوصفه خطوة إصلاحية، بينما يراه كثيرون مجرد إعادة تدوير لنفس الوجوه والسياسات التي أثبتت فشلها في محطات سابقة. وبين وعود الإنقاذ وتصريحات التفاؤل، يقف المواطن مثقلاً بأعباء الغلاء، وانقطاع الخدمات، وتدهور العملة، متسائلاً: ما الذي سيتغير هذه المرة؟
التشكيلة الحكومية الجديدة، التي ضمت عدداً كبيراً من الوزراء والمناصب المستحدثة، بدت للبعض أقرب إلى “جيش إداري جرّار” ينافس في تعداده حكومات دول مستقرة وكبيرة، رغم أن البلاد تعيش واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية والسياسية. ويرى مراقبون أن تضخم الجهاز الحكومي لا يعكس رؤية إصلاحية بقدر ما يعكس سياسة توزيع مناصب لكسب الولاءات واحتواء مراكز النفوذ، في مشهد بات مألوفاً في كل عملية تشكيل سابقة.
تدوير لا تغيير
الانتقادات الأبرز طالت عودة شخصيات شغلت مناصب في حكومات سابقة دون أن تحقق نتائج ملموسة. فبدلاً من ضخ دماء جديدة تحمل برامج واضحة ومحددة بزمن وأهداف قابلة للقياس، جاءت التعيينات – بحسب منتقدين – استمراراً لنهج المحاصصة وإعادة إنتاج نفس الأدوات التي ارتبط اسمها بمراحل من التعثر والفشل.
ويشير اقتصاديون إلى أن الأزمة لم تعد مجرد أزمة إدارة، بل أزمة ثقة. فالمواطن الذي شهد تدهوراً مستمراً في مستوى معيشته لم يعد يلتفت إلى الأسماء بقدر ما ينتظر نتائج ملموسة على الأرض: استقرار في سعر العملة، انتظام صرف الرواتب، تحسن في الكهرباء والمياه، وضبط للأسعار التي أنهكت الأسر.
معاناة يومية مقابل امتيازات عالية
في الوقت الذي يواجه فيه المواطن صعوبات في تأمين أساسيات الحياة، تتداول أوساط شعبية أرقاماً تتعلق برواتب وامتيازات كبار المسؤولين، بما في ذلك مخصصات بالعملة الصعبة، ومكافآت، وبدلات سفر. هذا التباين الحاد بين واقع الشارع ومستوى معيشة الطبقة الحاكمة يعمّق شعوراً واسعاً بالظلم، ويغذي خطاباً غاضباً يعتبر أن الحكومات المتعاقبة لم تكن سوى مظلة لتقاسم النفوذ والموارد.
ويؤكد ناشطون أن المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع الرواتب، بل في غياب الشفافية والمحاسبة. فالمليارات التي يُعلن عنها كمساعدات أو إيرادات لا يلمس المواطن أثرها في الخدمات أو البنية التحتية، ما يعزز الانطباع بوجود فساد منظم يتجاوز حدود المعقول، دون رقابة فاعلة أو مساءلة حقيقية.
الجنوب والشمال.. معاناة مشتركة
رغم التباينات السياسية، إلا أن المشهد المعيشي في الجنوب يتقاطع في كثير من التفاصيل: انهيار اقتصادي، بطالة مرتفعة، خدمات متدهورة، وغياب رؤية إنقاذ شاملة. المواطن في عدن أو المكلا لا يختلف كثيراً في معاناته عن المواطن في صنعاء أو تعز، فكلاهما يواجه تحديات يومية تتعلق بتأمين الغذاء والدواء والكهرباء.
غير أن قطاعاً واسعاً من المواطنين في الجنوب يرى أن الثروات المحلية لا تنعكس على مستوى الخدمات، ويتساءل عن مصير الإيرادات النفطية والجمركية والضريبية، ولماذا لا تُترجم إلى مشاريع تنموية أو تحسينات ملموسة في حياة الناس.
أزمة إدارة أم غياب مشروع وطني؟
المشكلة، وفق محللين، تتجاوز مجرد تغيير أشخاص إلى غياب مشروع وطني واضح المعالم. فكل حكومة تأتي بشعارات إصلاحية، لكنها تصطدم بذات المعوقات: تضارب المصالح، ضعف المؤسسات، انتشار الفساد، وتغليب الحسابات السياسية على متطلبات الإدارة الرشيدة.
ويرى مراقبون أن أي تشكيل حكومي لا يستند إلى برنامج معلن، وجداول زمنية محددة، وآليات رقابة شفافة، سيظل عرضة لأن يُنظر إليه كحلقة جديدة في سلسلة الإخفاقات. فالمواطن لم يعد يطالب بخطابات مطمئنة، بل بخطوات عملية قابلة للقياس.
بين الأمل والشك
رغم موجة الانتقادات، لا يزال البعض يمنح الحكومة الجديدة فرصة مشروطة، معتبرين أن المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد تتطلب استقراراً سياسياً وتنفيذ إصلاحات اقتصادية عاجلة. لكن هذه الفرصة – كما يقولون – لن تكون مفتوحة بلا سقف، بل مرتبطة بقدرة الحكومة على إحداث فارق حقيقي في حياة الناس خلال فترة زمنية قصيرة.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال الذي يتردد في الشارع: هل ستكون هذه الحكومة بداية لمسار إصلاحي حقيقي، أم مجرد نسخة جديدة من حكومات سبقتها، تركت خلفها مزيداً من الأعباء ومزيداً من الإحباط؟
الإجابة لن تُكتب في بيانات التشكيل ولا في صور أداء اليمين، بل في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن البسيط، الذي لم يعد يحتمل مزيداً من التجارب الفاشلة، وينتظر تغييراً حقيقياً يخرجه من دائرة المعاناة إلى أفق الاستقرار والكرامة.

فيديو