بين الغارات والدعوات للحوار… هل يُعاد رسم مشهد الجنوب على طاولة السياسة حسمه في الميدان؟

تقارير - منذ 7 ساعات

عين الجنوب|| خاص:
في عالم السياسة، كثيرًا ما تختلط النوايا بالشعارات، وتتشابك المصالح مع الخطابات المعلنة، حتى يصبح من الصعب التمييز بين النصيحة الصادقة والمكر المغلف بعبارات الحكمة. وحين ترتدي السياسة ثوب الوصاية وتلوّح براية التهدئة بينما تتحرك أدوات القوة في الاتجاه المعاكس، فإن المشهد لا يعود مجرد خلاف سياسي، بل يتحول إلى معركة إرادات تتصارع فيها المشاريع والرؤى على حساب الحقائق التي رسمها الواقع.
في الجنوب، بدا المشهد خلال الأشهر الماضية وكأنه صفحة جديدة في سجل الصراع الطويل الذي عاشته هذه الأرض منذ حرب صيف عام 1994م، حين انهار مشروع الوحدة الطوعية وتحول إلى واقع سياسي فرض بالقوة. ومنذ ذلك الحين، ظل الجنوب يعيش بين محاولات استعادة هويته السياسية وبين ضغوط إقليمية ودولية تحاول إعادة صياغة المشهد وفق معادلات أكثر تعقيدًا.
ومع بداية شهر يناير الماضي، بدا أن الأحداث تسير في اتجاه مختلف تمامًا. فقد كانت القوات الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي تخوض معارك حاسمة في مناطق الشرق، خصوصًا في حضرموت والمهرة، في إطار عملية عسكرية اعتبرها أنصارها خطوة أخيرة نحو بسط السيطرة الكاملة على الجغرافيا الجنوبية. تلك العمليات العسكرية رُوِّج لها باعتبارها المرحلة النهائية في مسار طويل من المواجهات التي خاضتها القوات الجنوبية منذ سنوات، تحت شعار استعادة الدولة الجنوبية وإنهاء ما يصفه أنصارها بمرحلة الاحتلال اليمني.
غير أن المشهد لم يستمر في الاتجاه الذي توقعه كثيرون. ففي لحظة بدت صادمة للكثير من المراقبين، دخل الطيران السعودي على خط الأحداث عبر ضربات جوية استهدفت مواقع للقوات الجنوبية في مناطق متفرقة من حضرموت والمهرة، وهو تدخل اعتبره البعض مفاجئًا في توقيته، خاصة أن الرياض كانت تُعد طوال السنوات الماضية حليفًا رئيسيًا للقوى المناهضة للحوثيين، ومن بينها القوى الجنوبية.
ذلك التطور فتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول طبيعة الحسابات الإقليمية التي تحكم المشهد اليمني والجنوب على وجه الخصوص. فبالنسبة لقطاع واسع من الجنوبيين، بدا التدخل الجوي وكأنه محاولة لإيقاف تقدم عسكري كان يوشك على إعادة رسم الخارطة السياسية على الأرض. أما في القراءة السياسية الأوسع، فقد اعتُبر الأمر انعكاسًا لتعقيدات المشهد الإقليمي، حيث لا تُقاس التحالفات فقط بمواقف اللحظة، بل بميزان المصالح الاستراتيجية التي تتجاوز أحيانًا حسابات الحلفاء المحليين.
وما زاد من تعقيد الصورة أن هذا التدخل العسكري تزامن لاحقًا مع دعوة سعودية لعقد حوار جنوبي–جنوبي في الرياض، وهي دعوة قُدمت في إطار محاولة تقريب وجهات النظر بين مختلف القوى السياسية في الجنوب. غير أن توقيت هذه الدعوة أثار بدوره الكثير من علامات الاستفهام، إذ رأى بعض المتابعين أن الحوار عادة ما يأتي لاحتواء الخلافات السياسية، بينما كان الواقع الميداني آنذاك يوحي بأن القوى الجنوبية الرئيسية تتحرك ضمن هدف مشترك يتمثل في تثبيت السيطرة العسكرية على الأرض.
ومن هنا بدأ الجدل يتسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية الجنوبية. فهناك من رأى في الدعوة السعودية للحوار خطوة ضرورية لضمان عدم انزلاق الجنوب إلى صراعات داخلية مستقبلية، خاصة في ظل تعدد القوى والمكونات السياسية. في المقابل، اعتبر آخرون أن الحوار في ذلك التوقيت قد يكون محاولة لإعادة ترتيب الأوراق السياسية بما يضمن بقاء الملف الجنوبي ضمن إطار التوازنات الإقليمية والدولية، بدل أن يتحول إلى واقع سياسي يُفرض من خلال الوقائع العسكرية وحدها.
وبين هاتين القراءتين، تواصلت التحركات السياسية في الجنوب خلال الأسابيع التالية، حيث برزت إلى السطح مكونات سياسية جديدة أعلنت عن نفسها في عدن ومدن أخرى. هذه الكيانات، التي وُصفت من قبل بعض الناشطين بأنها “مكونات طارئة”، قُدمت باعتبارها أطرافًا جديدة في المعادلة السياسية الجنوبية، ما أعاد النقاش مجددًا حول طبيعة التمثيل السياسي في الجنوب ومن يمتلك حق التحدث باسم قضيته.
لكن في المقابل، يؤكد كثير من أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي أن الشارع الجنوبي لا يزال يقف إلى حد كبير خلف مشروع استعادة الدولة، وهو المشروع الذي يتبناه رئيس المجلس الانتقالي الرىيس عيدروس الزبيدي، الذي أعلن في أكثر من مناسبة أن خطوات الاستقلال أصبحت أقرب من أي وقت مضى، مدفوعة بما يصفه بالدعم الشعبي الواسع.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، يبقى السؤال الأكبر معلقًا: هل تسير القضية الجنوبية نحو لحظة حسم تاريخية تعيد رسم حدود الدولة كما كانت قبل عام 1990م، أم أن تعقيدات السياسة الإقليمية والدولية ستفرض مسارًا مختلفًا يمر عبر طاولات الحوار قبل أن يصل إلى خرائط الجغرافيا؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تزال رهينة التطورات القادمة. فالتاريخ السياسي في المنطقة أثبت مرارًا أن ما يُحسم في الميدان قد يُعاد التفاوض عليه في غرف السياسة، وأن لحظات الانتصار العسكري كثيرًا ما تتحول إلى بدايات لمعركة أخرى، أكثر هدوءًا لكنها لا تقل تأثيرًا.
وبين هدير الطائرات وضجيج البيانات السياسية، يقف الجنوب مرة أخرى عند مفترق طرق تاريخي، حيث تتقاطع طموحات الداخل مع حسابات الخارج، وتظل الحقيقة الأوضح أن مستقبل هذه القضية لن يُحسم فقط بالسلاح أو بالشعارات، بل بتوازن معقد بين الإرادة الشعبية ومعادلات القوة التي تحكم المنطقة بأسرها.

فيديو