بين هرمز وباب المندب… هل تتشكل خريطة نفوذ إيراني بينما تنشغل الرياض بمعارك تفكيك في الجنوب

تقارير - منذ 1 ساعة

خاص|عين الجنوب                 


في تصريح أثار جدلًا واسعًا، خرج أحد مستشاري المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ليؤكد أن أمن مضيقي مضيق هرمز وباب المندب بات “تحت سلطة إيران وحلفائها الاستراتيجيين”، في إشارة واضحة إلى جماعة أنصار الله (الحوثيون). تصريح لا يمكن قراءته كرسالة إعلامية عابرة، بل كإعلان سياسي يعكس تحولات عميقة في ميزان القوة الإقليمي، ويعيد طرح تساؤلات جوهرية حول أولويات القوى الفاعلة في المنطقة.
هذا التصريح يأتي في لحظة شديدة الحساسية، حيث يشكل مضيقا هرمز وباب المندب شريانين حيويين للاقتصاد العالمي، تمر عبرهما نسبة ضخمة من تجارة النفط والبضائع. السيطرة أو حتى التأثير على هذين الممرين لا يعني فقط نفوذًا عسكريًا، بل ورقة ضغط استراتيجية يمكن توظيفها في ملفات تتجاوز حدود الجغرافيا إلى عمق السياسة الدولية.
في المقابل، تبدو المملكة العربية السعودية – وفقًا لقراءات عدد من المراقبين – منشغلة بملفات داخلية في الساحة الجنوبيه وعلى رأسها تفكيك القوى الجنوببه قوات المجلس الانتقالي وتازيم العلاقة مع المجلس الانتقالي الجنوبي وقواته. هذا الانشغال يراه البعض محاولة لإعادة تشكيل توازنات محلية، بينما يراه آخرون صرفًا للانتباه عن تهديدات استراتيجية أكبر تتشكل على حدود المملكة وفي خاصرتها البحرية.
اللافت في المشهد أن أنصار الله (الحوثيون) لم يعودوا مجرد فاعل محلي في النزاع اليمني، بل تحولوا إلى لاعب إقليمي يمتلك القدرة – أو على الأقل يعلن امتلاكها – على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وقد تعزز هذا الدور خلال السنوات الأخيرة مع تصاعد الهجمات البحرية والتلويح المستمر بإغلاق أو تهديد خطوط الملاحة، ما وضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ غير مسبوق.
في هذا السياق، يرى محللون أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على “تطويق النفوذ” عبر التحكم غير المباشر بالممرات الحيوية، من الخليج العربي إلى البحر الأحمر. هذا النهج يمنح إيران قدرة تفاوضية عالية في مواجهة خصومها، خصوصًا في ظل التوترات المستمرة مع الولايات المتحدة وحلفائها.
أما في الجنوب ، فإن التركيز على تفكيك أو إعادة هيكلة القوى المحلية، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي، يثير تساؤلات حول جدوى هذه الخطوة في هذا التوقيت تحديدًا. فبينما يتم إعادة رسم ملامح النفوذ في الممرات البحرية، تبدو المعركة في الداخل وكأنها تدور في اتجاه موازٍ لا يتقاطع بالضرورة مع التحديات الكبرى.
ويرى مراقبون أن تجاهل البعد الاستراتيجي للممرات البحرية قد يترك فراغًا تستغله قوى أخرى لفرض واقع جديد، خاصة أن باب المندب يشكل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ويمثل أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية، بما في ذلك حركة التجارة نحو قناة السويس.
لكن في المقابل، هناك من يجادل بأن السياسة السعودية ليست بالبساطة التي تُطرح في بعض التحليلات، وأن إعادة ترتيب البيت الداخلي في اليمن بما يتوافق مع مصالحها و قد تكون جزءًا من رؤية أوسع تهدف إلى بناء شريك غير الانتقالي يمكن الاعتماد عليه في مواجهة التحديات الإقليمية، بما فيها النفوذ الإيراني.
في المحصلة، يعكس هذا الجدل صراعًا متعدد المستويات: صراع على الجغرافيا، وعلى النفوذ، وعلى تعريف الأولويات. وبينما تتصاعد التصريحات من طهران، وتستمر التحركات على الأرض في الجنوب يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نحن أمام إعادة تشكيل شاملة لخريطة السيطرة في المنطقة، أم مجرد جولة جديدة في لعبة التوازنات التي لم تُحسم بعد؟
ما هو مؤكد أن مضيقي هرمز وباب المندب لم يعودا مجرد ممرين مائيين، بل تحولا إلى عنوان لصراع أكبر، عنوانه: من يملك مفاتيح التجارة العالمية… ومن يحدد قواعد اللعبة في الشرق الأوسط؟

فيديو