السعودية تنهي شهر العسل في عدن… من وعود الرخاء إلى واقع الانهيار

تقارير - منذ 1 ساعة

خاص|عين الجنوب                 


عدن التي رُوّج لها مؤخرًا كأنها على أعتاب مرحلة جديدة من الاستقرار والازدهار، تعود اليوم لتتصدر مشهد الأزمات، في تحول دراماتيكي يكشف هشاشة الوعود التي أُطلقت خلال الأشهر الماضية. فبعد موجة من الخطاب الإعلامي الذي بشّر بانفراجات اقتصادية وخدمية برعاية سعودية، بدأت الصورة تتبدد سريعًا، تاركة خلفها مدينة ترزح تحت ضغط الانهيار المتجدد.
في البداية، بدا المشهد وكأن هناك تحوّلًا حقيقيًا. الحديث عن صرف الرواتب، وتحسن الكهرباء، وتوفر الخدمات الأساسية، خلق حالة من الترقب الحذر لدى السكان الذين أنهكتهم سنوات الحرب والصراع. لكن هذا التفاؤل لم يصمد طويلًا، إذ سرعان ما عادت الأزمات القديمة لتفرض نفسها بقوة، بل وبوتيرة أشد قسوة.
مصادر محلية تشير إلى أن الحكومة الموالية للرياض تواجه عجزًا متزايدًا في الإيفاء بالتزاماتها، وفي مقدمتها دفع المرتبات للمدنيين والعسكريين. هذا العجز لم يأتِ بمعزل عن تدهور شامل في الخدمات، حيث تشهد المدينة انقطاعات متكررة للكهرباء، وتراجعًا حادًا في إمدادات المياه، فضلًا عن أزمة خانقة في الغاز المنزلي وارتفاع أسعار المشتقات النفطية، ما فاقم من معاناة المواطنين اليومية.
لكن ما وراء هذا التدهور لا يبدو مجرد فشل إداري أو عجز مالي، بل يرتبط – بحسب مراقبين – بتحولات أعمق في السياسة السعودية تجاه الجنوب. فبعد أن ضخت الرياض دعمًا ماليًا وسياسيًا كبيرًا، كانت تأمل في إعادة تشكيل موازين النفوذ داخل عدن وباقي مناطق الجنوب، إلا أن النتائج لم تكن على مستوى التوقعات.
النفوذ الإماراتي، الذي سعت السعودية إلى تقليصه، لا يزال حاضرًا بقوة من خلال المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يحتفظ بقاعدة شعبية وتنظيمية فاعلة. هذا الواقع وضع الرياض أمام معادلة معقدة: إنفاق كبير دون تحقيق اختراق حاسم، ما دفعها – وفق هذه القراءات – إلى إعادة تقييم استراتيجيتها.
في هذا السياق، يُنظر إلى تقليص الدعم السعودي على أنه رسالة سياسية بقدر ما هو إجراء اقتصادي. رسالة مفادها أن الدعم لم يعد مفتوحًا بلا مقابل، وأن المرحلة المقبلة ستُدار بمنطق الشروط والنتائج، لا بمنطق التمويل المستمر. وهو ما يفسر، جزئيًا، التراجع المفاجئ في البرامج التي كانت تُقدم سابقًا بسخاء.
الأخطر في هذا التحول هو انعكاسه المباشر على الشارع. فمع تدهور الخدمات وتأخر الرواتب، تتزايد حالة الاحتقان الشعبي، في وقت تبدو فيه القوى المحلية عاجزة عن احتواء الأزمة أو تقديم حلول ملموسة. وهنا يبرز سيناريو “ترك الحلفاء في مواجهة الشارع”، كأحد الخيارات التي قد تستخدمها الرياض للضغط وإعادة ترتيب المشهد.
عدن اليوم تقف عند مفترق طرق حاسم. فإما أن تنجح الأطراف المحلية في التقاط زمام المبادرة وإعادة بناء توازنات داخلية تخفف من حدة الانهيار، أو تستمر دوامة التدهور، لتتحول المدينة إلى ساحة مفتوحة لصراع الإرادات الإقليمية، يدفع ثمنه المواطن أولًا وأخيرًا.
في النهاية، لم يعد السؤال المطروح: لماذا تدهورت الأوضاع؟ بل إلى أين تتجه الأمور في ظل هذا التحول المفاجئ؟ وبين وعود الأمس وواقع اليوم، تبقى عدن عالقة في منطقة رمادية، حيث لا استقرار حقيقي، ولا انهيار كامل… بل حالة مستمرة من اللايقين.

فيديو