حين تسقط فخاخ الفرقة… الجنوب يكتب بالوعي ملحمة الوجود

تقارير - منذ 10 ساعات

عدن،خاص|| عين الجنوب 

في زمن تتكاثر فيه محاولات التشويش وتتعالى فيه أصوات الفتنة، يقف الجنوب اليوم أمام اختبار جديد من اختبارات الوعي والصمود، اختبار تحاول من خلاله بعض القوى بث الفرقة وزرع بذور المناطقية بين أبناء الجنوب، أملاً في إضعاف جبهتهم الداخلية وتمزيق نسيجهم الاجتماعي الذي ظل متماسكاً رغم كل العواصف التي مرت عليه عبر العقود. غير أن ما يبدو واضحاً في المشهد الجنوبي اليوم هو أن تلك المحاولات، مهما تعددت أدواتها وتنوعت أساليبها، تصطدم بوعي شعبي متراكم وبإرادة جماعية ترفض العودة إلى مربع الانقسام الذي أثبت التاريخ أنه لا يخدم إلا خصوم الجنوب وقضاياه العادلة.
لقد أدرك الجنوبيون، بعد سنوات طويلة من التجارب القاسية والصراعات التي استهدفت أرضهم وهويتهم، أن أخطر ما يمكن أن يواجه أي قضية وطنية هو التشرذم الداخلي. ومن هنا تشكلت لدى الشارع الجنوبي قناعة راسخة بأن وحدة الصف ليست مجرد شعار سياسي يرفع في المناسبات، بل هي ضرورة وجودية تفرضها طبيعة المرحلة وتعقيدات الصراع القائم في المنطقة. فالمشروع الجنوبي، بكل ما يحمله من تطلعات سياسية ووطنية، لا يمكن أن يتحقق في ظل انقسامات مناطقية أو صراعات داخلية، بل يحتاج إلى جبهة موحدة تتكامل فيها الجهود وتذوب فيها الفوارق أمام الهدف المشترك.
ولعل ما يلفت الانتباه في المشهد الحالي هو أن محاولات إثارة المناطقية لم تعد تمر بسهولة كما كان يحدث في مراحل سابقة، إذ أصبح المجتمع الجنوبي أكثر حساسية تجاه الخطابات التي تسعى إلى تقسيمه أو دفعه إلى صراعات جانبية. فقد تعلم الناس من دروس الماضي أن الانجرار خلف هذه الدعوات لا يؤدي إلا إلى إضعاف الجميع وإعطاء الفرصة للقوى المتربصة للتسلل من بين الشقوق التي تتركها الخلافات الداخلية.
ومن الواضح أيضاً أن وسائل بث الفرقة لم تعد تقتصر على الخطابات السياسية المباشرة، بل أصبحت تستخدم منصات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي كأدوات رئيسية في محاولة التأثير على الرأي العام وصناعة حالة من الاحتقان بين أبناء المحافظات الجنوبية المختلفة. غير أن هذه الأساليب، رغم ضجيجها، تواجه واقعاً مختلفاً يتمثل في تنامي وعي الناس وقدرتهم على التمييز بين النقد المشروع والخطاب التحريضي الذي يهدف إلى تمزيق الصف.
إن الجنوب الذي خاض مراحل طويلة من النضال وقدم خلالها تضحيات كبيرة لم يكن ليصل إلى ما هو عليه اليوم من تماسك نسبي لولا إدراك أبنائه أن مصيرهم واحد وأن أي محاولة لضرب وحدة المجتمع إنما تستهدف الجميع دون استثناء. ولهذا تبدو الردود الشعبية على حملات التحريض واضحة وحاسمة، حيث يصر كثير من الجنوبيين على التأكيد بأن الاختلافات الطبيعية بين المجتمعات لا ينبغي أن تتحول إلى صراعات، وأن التنوع الجغرافي والاجتماعي في الجنوب يمثل مصدر قوة لا سبباً للانقسام.
كما أن المشهد العام يكشف أن الوعي الشعبي بات يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه المحاولات، إذ لم تعد القوى السياسية أو القيادات الاجتماعية وحدها هي التي تتصدى لخطابات الفتنة، بل أصبح المواطن العادي نفسه جزءاً من معركة الحفاظ على وحدة الصف، من خلال رفضه للخطاب التحريضي وتمسكه بثقافة التعايش والتكاتف.
ومع كل جولة جديدة من محاولات بث الفرقة، يتأكد أن الجنوب يمتلك اليوم مناعة اجتماعية وسياسية أكبر مما كان عليه في الماضي. فالتجارب الصعبة التي مرت بها المنطقة جعلت كثيراً من الناس يدركون أن مستقبلهم مرتبط بقدرتهم على الحفاظ على تماسكهم الداخلي، وأن أي انقسام لن يكون مجرد خلاف عابر بل قد يتحول إلى ثغرة يستغلها الآخرون لإعادة إنتاج الأزمات التي عانى منها الجنوب طويلاً.
وفي ظل هذا الإدراك المتزايد، تبدو الرسالة التي يبعث بها الشارع الجنوبي واضحة: إن وحدة أبناء الجنوب ليست خياراً مؤقتاً يمكن التراجع عنه عند أول خلاف، بل هي قاعدة أساسية لحماية القضية الجنوبية وضمان استمرارها. ولذلك فإن كل الدعوات التي تحاول إعادة إنتاج المناطقية أو بث الشكوك بين أبناء المحافظات الجنوبية تجد نفسها معزولة أمام موجة وعي شعبي يرفض العودة إلى الوراء.
وهكذا، بينما يواصل البعض محاولاته لصناعة الشقاق وإثارة الانقسامات، يمضي الجنوب في اتجاه معاكس تماماً، حيث تتكرس قناعة عامة بأن قوة القضية تكمن في تماسك أبنائها، وأن وحدة الصف هي السلاح الأهم في مواجهة التحديات السياسية والعسكرية التي تحيط بالمنطقة. وفي هذا السياق تبدو ملحمة الوعي الشعبي التي تتشكل اليوم أكثر قوة وتأثيراً من كل حملات التحريض، لأنها تنبع من إدراك جماعي بأن مستقبل الجنوب لا يمكن أن يُبنى إلا على قاعدة صلبة من التلاحم الوطني والتكاتف الاجتماعي.

فيديو