قرارات على وقع الصراع… هل تُدار معركة تفكيك القوى الجنوبية من داخل السلطة؟

السياسة - منذ 1 ساعة

عين الجنوب | خاص .  
في توقيت سياسي بالغ الحساسية، صدرت قرارات رئاسية تقضي بإقالة وتعيين محافظين في عدد من محافظات الجنوب، شملت الضالع ولحج وأبين، وهي محافظات تُعد من أكثر المناطق حساسية في معادلة النفوذ السياسي والعسكري في الجنوب. هذه القرارات التي صدرت عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي المدعورشاد العليمي أثارت موجة واسعة من الجدل والانتقادات في الأوساط السياسية الجنوبية، حيث اعتبرها كثيرون خطوة مرتجلة لا تعكس قراءة واقعية لطبيعة التوازنات القائمة، بل تمثل محاولة واضحة لإعادة هندسة المشهد السياسي بطريقة قد تُفضي إلى إضعاف القوى الجنوبية التي تشكلت عبر سنوات من الصراع والتضحيات.
وبحسب مراقبين، فإن تعيين شخصيات جديدة محسوبه على الاخوان على رأس السلطات المحلية في هذه المحافظات لا يمكن فصله عن مسار سياسي يجري العمل عليه منذ فترة، يقوم على إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل مؤسسات السلطة المحلية والعسكرية. هذا المسار، كما يراه منتقدو القرارات، لا يستند إلى معايير الكفاءة أو التوافق المجتمعي بقدر ما يقوم على معايير الولاء السياسي، وهو ما يثير مخاوف من أن تتحول هذه التعيينات إلى أدوات لإعادة إنتاج مراكز قوة بعيدة عن المزاج الشعبي في الجنوب.
ويرى سياسيون جنوبيون أن إقصاء شخصيات ذات ميول جنوبي واستبدالها بشخصيات يُنظر إليها باعتبارها أقرب إلى تيارات سياسية معروفة كجماعه الاخوان ، يحمل دلالات واضحة على وجود توجه لإعادة توزيع النفوذ داخل المحافظات الجنوبية. بما يوكد على محاوله التفاف على القضيه الجنوبيه التي تدعي الرياض والقوى الشماليه الاعتراف بها كقضيه عادله ويشير هؤلاء إلى أن المحافظات الثلاث التي طالتها القرارات تُعد من أهم معاقل الحاضنة الشعبية للقوى الجنوبية، الأمر الذي يجعل أي تغيير مفاجئ في هرم السلطة المحلية فيها خطوة محفوفة بالمخاطر السياسية.
وفي هذا السياق، يرى كثير من المراقبين أن هذه الإجراءات تبدو كجزء من محاولة أوسع لإعادة صياغة المشهد السياسي في الجنوب بطريقة قد تؤدي عمليًا إلى تفكيك نفوذ القوى الجنوبية التي يمثلها بشكل أساسي المجلس الانتقالي الجنوبي وهو الكيان السياسي الذي برز خلال السنوات الماضية باعتباره أحد أبرز الفاعلين في القضية الجنوبية.والممثل الوحيد لتطلعات شعب الجنوب في استعاده دولته ويعتقد هؤلاء أن إضعاف نفوذ هذا الكيان عبر قرارات إدارية متسارعة قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر السياسي، خصوصًا إذا جرى تفسير تلك الخطوات باعتبارها استهدافًا مباشرًا للتمثيل السياسي الجنوبي.
كما أن الانتقادات لم تقتصر على البعد السياسي فحسب، بل امتدت إلى طبيعة القرارات نفسها، حيث وصفها ناشطون ومحللون بأنها قرارات متسرعة تفتقر إلى الحد الأدنى من التوافق، وتم اتخاذها دون مراعاة للخصوصيات الاجتماعية والسياسية للمحافظات المعنية. ويؤكد هؤلاء أن إدارة المحافظات الجنوبية لا يمكن أن تتم بمنطق القرارات الفوقية أو الترتيبات المغلقة، لأن أي تغيير في موازين القوى المحلية يجب أن يمر عبر توافقات سياسية تحترم الإرادة الشعبية في تلك المناطق.
ومن وجهة نظر كثير من النخب الجنوبية، فإن أخطر ما في هذه التعيينات ليس فقط توقيتها أو طبيعتها، بل الرسائل السياسية التي تحملها. فحين يتم استبدال قيادات محلية معروفة بقربها من المزاج الجنوبي بشخصيات تُتهم بالارتباط بتيارات سياسية بعيدة عن ذلك المزاج، فإن ذلك قد يُفسر على أنه محاولة لإعادة رسم الخارطة السياسية بطريقة تتجاوز القوى التي تشكلت على الأرض خلال السنوات الماضية.
ويحذر محللون من أن مثل هذه السياسات قد تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ إن محاولة تقليص نفوذ القوى الجنوبية عبر أدوات إدارية أو قرارات فوقية قد تدفع نحو مزيد من التصلب السياسي، بل وقد تعزز الشعور لدى قطاعات واسعة من الشارع الجنوبي بأن هناك مسعى ممنهجًا لإضعاف تمثيلهم السياسي.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المحافظات الجنوبية أمام مرحلة جديدة من التجاذبات السياسية، حيث تتقاطع الحسابات المحلية مع التوازنات الإقليمية، بينما يبقى الشارع الجنوبي يراقب هذه التطورات بقلق متزايد. فالقضية بالنسبة لكثير من الجنوبيين لا تتعلق بمجرد تعيينات إدارية عابرة، بل بمسار سياسي كامل قد يعيد تشكيل ملامح السلطة والنفوذ في الجنوب خلال المرحلة المقبلة.
وفي نهاية المطاف، تبقى الأسئلة مفتوحة حول ما إذا كانت هذه القرارات ستنجح فعلاً في فرض واقع سياسي جديد، أم أنها ستواجه رفضًا سياسيًا وشعبيًا قد يجعلها مجرد حلقة جديدة في سلسلة الصراعات على النفوذ داخل المشهد الجنوبي، وهو مشهد لم يعد يحتمل مزيدًا من القرارات المرتجلة أو الحسابات الضيقة التي قد تؤدي إلى تفكيك ما تبقى من توازنات دقيقة تشكلت بعد سنوات طويلة من الصراع.

فيديو