عندما تُلوّح طهران بورقة البحر الأحمر… هل تتحول ممرات الجنوب إلى ساحة الرسائل الأخيرة؟

السياسة - منذ 1 ساعة

عين الجنوب | خاص .
في لحظة إقليمية مشحونة بالتوترات والتحولات العسكرية المتسارعة، تعود منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى واجهة الصراع الدولي، ليس فقط كممر مائي حيوي تمر عبره التجارة العالمية، بل كساحة محتملة لتبادل الرسائل الاستراتيجية بين القوى الكبرى. التصريحات التي صدرت عن مسؤول عسكري إيراني رفيع، والتي ألمح فيها إلى إمكانية تحويل مضيق آخر إلى وضع مشابه لما يحدث في مضيق هرمز، لم تكن مجرد تهديد إعلامي عابر، بل قراءة سياسية واضحة لما يمكن أن تكون عليه المرحلة المقبلة إذا انزلقت المنطقة نحو مواجهة أوسع بين واشنطن وطهران.
في هذا السياق، يبرز اسم جماعة الحوثي بوصفها إحدى أهم الأدوات التي تمتلكها إيران في المنطقة، إذ لا يُنظر إلى هذه الجماعة من قبل العديد من المحللين العسكريين باعتبارها مجرد قوة محلية، بل كجزء من منظومة نفوذ إقليمي أوسع تمتد خيوطها من طهران إلى عدة ساحات صراع. ومن هنا يأتي التلويح الإيراني بإمكانية تفعيل دور الحوثيين في البحر الأحمر، في إشارة يفهمها المراقبون على أنها رسالة ردع غير مباشرة للولايات المتحدة وحلفائها، مفادها أن أي تصعيد ضد إيران لن يبقى محصوراً في الخليج أو مضيق هرمز، بل قد يمتد إلى ممرات مائية أخرى لا تقل أهمية وتأثيراً على الاقتصاد العالمي.
البحر الأحمر تحديداً يمثل نقطة حساسة في معادلة الأمن الدولي، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط والسلع بين الشرق والغرب، ويُعد مضيق باب المندب شرياناً استراتيجياً يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر قناة السويس. لذلك فإن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة يمكن أن ينعكس فوراً على حركة التجارة العالمية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. ومن هذا المنطلق، تبدو التهديدات المرتبطة بإعادة تنشيط الهجمات على الملاحة البحرية وكأنها محاولة لرفع سقف الضغط السياسي والعسكري في لحظة تشهد فيها المنطقة حالة استقطاب غير مسبوقة.
غير أن ما يثير القلق الحقيقي لدى كثير من المراقبين هو أن تحويل البحر الأحمر إلى ساحة تصعيد لن يظل حدثاً عسكرياً معزولاً، بل قد يفتح الباب أمام سلسلة من التداعيات السياسية والأمنية التي قد تعيد رسم ملامح الصراع في المنطقة بأكملها. فالحديث عن استخدام الحوثيين كورقة ضغط يعني عملياً أن الجغرافيا الجنوبية المطلة على باب المندب ستجد نفسها مرة أخرى في قلب معادلة الصراع الدولي، وهو أمر يضع المنطقة أمام تحديات أمنية واقتصادية كبيرة، خصوصاً في ظل هشاشة الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تعيشها.
وفي الوقت ذاته، يدرك صناع القرار في العواصم الكبرى أن أي انفجار جديد في البحر الأحمر لن يكون مجرد مواجهة محدودة، بل قد يتحول إلى أزمة دولية تتداخل فيها حسابات الطاقة والتجارة والأمن البحري. فالقوى البحرية الدولية المنتشرة في هذه المنطقة لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تعرضت خطوط الملاحة لتهديد مباشر، ما يعني أن أي تصعيد قد يقود إلى تدخلات عسكرية أوسع وربما مواجهات غير محسوبة العواقب.
وسط هذه الصورة المعقدة، تبدو إيران وكأنها تحاول إعادة ترتيب أوراق الضغط التي تمتلكها، خصوصاً في ظل التوترات المتزايدة بينها وبين الولايات المتحدة. فبدلاً من المواجهة المباشرة التي قد تكون مكلفة لجميع الأطراف، تلجأ طهران إلى استراتيجية توسيع ساحات الضغط عبر حلفائها الإقليميين، بحيث تتحول هذه الساحات إلى أدوات ردع غير تقليدية يمكن استخدامها في الوقت المناسب.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: إلى أي مدى يمكن أن يذهب هذا التصعيد دون أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة؟ فالتاريخ الحديث للمنطقة يظهر أن الحروب التي تبدأ برسائل محدودة كثيراً ما تنتهي بصراعات أوسع مما كان متوقعاً. ولذلك فإن استمرار التلويح بورقة البحر الأحمر قد يكون مؤشراً على مرحلة جديدة من التوتر الإقليمي، مرحلة تتقاطع فيها المصالح الدولية مع الحسابات المحلية، وتصبح فيها الممرات البحرية الاستراتيجية أكثر عرضة للاهتزاز.
وفي ظل هذه المعادلة، يبقى البحر الأحمر أقرب إلى برميل بارود سياسي وعسكري، تنتظر فتيل اشتعال قد يأتي من أي نقطة في خريطة الصراع. فبين رسائل الردع الإيرانية والتحركات العسكرية الأمريكية، وبين حسابات القوى الإقليمية ومخاوف الاقتصاد العالمي، تبدو المنطقة وكأنها تقف على حافة مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل موازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط.
وهكذا، بينما تتكاثر التصريحات وتتصاعد التحذيرات، يبقى السؤال الأهم معلقاً في فضاء السياسة الدولية: هل ستظل هذه التهديدات مجرد أوراق ضغط في لعبة التوازنات الكبرى، أم أن البحر الأحمر على موعد مع فصل جديد من الصراع قد يغير شكل المنطقة لسنوات طويلة قادمة؟

فيديو