تحليل : من حضرموت إلى شبوة… حين تتمدد خريطة النفوذ ويتسع ظل الهيمنة

السياسة - منذ 1 ساعة

عين الجنوب | خاص . 
لم يعد ما يجري في المحافظات الشرقية والجنوبية مجرد تغييرات عسكرية عابرة في خارطة الانتشار، بل بات يُقرأ على نطاق واسع باعتباره جزءاً من إعادة ترتيب عميقة لموازين السيطرة والنفوذ في المنطقة. فالتطورات الأخيرة في محافظة شبوة، والتي تمثلت في سحب قوات العمالقة الجنوبية من مواقعها داخل المحافظة، والدفع بقوات دفاع شبوة إلى الخطوط الأمامية للجبهات الحدودية، فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة توزيع الأدوار العسكرية والأمنية، مرحلة تبدو فيها ملامح النفوذ الخارجي أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
فالقوات التي كانت تتولى حماية المنشآت الحيوية في شبوة، بما في ذلك المنشآت النفطية والموانئ الحيوية، جرى إبعادها عن تلك المواقع الحساسة، ليتم إسناد مهمة التأمين إلى قوات الطوارئ اليمنية وقوات ما يُعرف بـ"درع الوطن"، وهي تشكيلات عسكرية ترتبط بشكل مباشر بالمظلة السعودية. هذا التحول في طبيعة القوة التي تمسك بملف الحماية الأمنية للمنشآت الاستراتيجية لا يمكن فصله عن سياق أوسع من التحركات التي تشهدها المحافظات الشرقية للجنوب، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية.
شبوة، بما تمتلكه من ثروات نفطية وغازية، وموقع جغرافي يربط بين حضرموت ومأرب وسواحل بحر العرب، تمثل إحدى أهم العقد الاستراتيجية في الجنوب. ولهذا فإن أي تغيير في خارطة السيطرة داخلها يحمل دلالات تتجاوز الإطار المحلي، ويمتد تأثيره إلى مجمل معادلة النفوذ في المنطقة. فحين يتم إبعاد القوات المحلية عن مواقع الحماية الحيوية، وإحلال قوات تدين بالولاء لدولة إقليمية، فإن ذلك يعكس رغبة واضحة في الإمساك المباشر بمفاصل القرار الأمني والاقتصادي في المحافظة.
ولا تبدو شبوة في هذا السياق حالة معزولة، بل حلقة ضمن سلسلة أوسع من الترتيبات التي بدأت ملامحها تتشكل منذ سنوات في محافظتي حضرموت والمهرة. ففي هاتين المحافظتين رسخت السعودية حضوراً عسكرياً وأمنياً ملحوظاً، عبر إنشاء قواعد ونقاط عسكرية، ودعم تشكيلات محلية مرتبطة بها، في مسار اعتبره كثير من المراقبين خطوة نحو بناء نفوذ طويل الأمد في شرق الجنوب.
في المهرة، مثلاً، تحول الوجود العسكري إلى عامل أساسي في رسم المشهد الأمني، حيث أقيمت نقاط انتشار واسعة على الطرق والمنافذ الحدودية، في ظل جدل سياسي واجتماعي حول طبيعة هذا الحضور وأهدافه. أما في حضرموت، فقد تداخلت الحسابات السياسية والعسكرية مع ملف الثروة النفطية، ليصبح الصراع على النفوذ هناك جزءاً من معادلة أكبر تتعلق بالتحكم بمصادر الطاقة ومساراتها.
ومع انتقال هذه الترتيبات إلى شبوة، يبدو أن خريطة النفوذ الإقليمي آخذة في الاتساع، لتشمل نطاقاً جغرافياً يمتد من حدود المهرة شرقاً وصولاً إلى شبوة غرباً، وهي مساحة واسعة تختزن في باطنها أهم الثروات الطبيعية في الجنوب، وتشكل في الوقت ذاته ممراً استراتيجياً بالغ الأهمية على امتداد سواحل بحر العرب.
ويرى مراقبون أن إعادة تشكيل خارطة الانتشار العسكري في هذه المحافظات ليست مجرد إجراءات أمنية، بل جزء من عملية إعادة هندسة للواقع السياسي والعسكري في الجنوب، بحيث تصبح مراكز القرار الأمني والعسكري مرتبطة بشكل مباشر بحسابات القوى الإقليمية، لا بالمعادلات المحلية وحدها.
كما أن هذه التحركات تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تعيش البلاد حالة من التداخل المعقد بين الحرب والسياسة، وبين التفاهمات الإقليمية والصراعات المحلية، ما يجعل كل تغيير في موازين الانتشار العسكري يحمل أبعاداً تتجاوز اللحظة الراهنة، وقد يرسم ملامح مرحلة قادمة بأكملها.
وفي ظل هذا المشهد، يزداد الجدل في الأوساط السياسية والإعلامية حول مستقبل المحافظات الجنوبية، وما إذا كانت هذه الترتيبات العسكرية ستقود إلى استقرار طويل الأمد، أم أنها ستفتح الباب أمام صراعات جديدة على النفوذ والموارد. فالتاريخ السياسي للمنطقة يُظهر أن إعادة رسم خرائط السيطرة لا تمر عادة دون تداعيات، خاصة حين ترتبط بمناطق غنية بالثروات الطبيعية وذات موقع استراتيجي حساس.
وهكذا، بينما تتواصل التحركات العسكرية وتتبدل مواقع القوات على الأرض، يبقى السؤال الأكبر معلقاً في الأفق: هل ما يحدث هو مجرد إعادة انتشار مؤقتة تفرضها ظروف الحرب، أم أنه جزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل خريطة النفوذ في الجنوب، بحيث تتحول حضرموت والمهرة وشبوة إلى فضاء نفوذ إقليمي يمتد على طول الساحل الشرقي لبحر العرب؟
الإجابة عن هذا السؤال قد لا تتضح بالكامل اليوم، لكن المؤكد أن ما يجري على الأرض يرسم ملامح واقع جديد، واقع تتشابك فيه الجغرافيا مع الثروة، والسياسة مع القوة، في معادلة معقدة ستظل تلقي بظلالها على مستقبل الجنوب لسنوات قادمة.

فيديو