اغتيال الوعي.. قضية شعب الجنوب في مقصلة "التزييف العابر للحدود"

تقارير - منذ 1 ساعة

خاص|عين الجنوب       


​في عالمٍ لم تعد فيه الحروب تُحسم فقط بزخات الرصاص أو السيطرة على التلال والمرتفعات، تبرز قضية شعب الجنوب اليوم كنموذج حي للصراع في "المناطق الرمادية"، حيث تتحول الكلمة إلى قذيفة، والخبر المضلل إلى لغم يستهدف وجدان المجتمع وهويته قبل أن يستهدف جغرافيا الأرض. إن ما يواجهه الجنوب اليوم ليس مجرد خصوم سياسيين يختلفون معه في الرؤية أو المسار، بل هي ماكينة تضليل إعلامي جبارة ومنظمة، عابرة للحدود والمنصات، تعمل وفق استراتيجيات "كي الوعي" واغتيال الأمل في نفوس الشعب، محاولةً بكل طاقتها تشويه ملامح قضية وطنية ضاربة جذورها في التاريخ والجغرافيا.
​تعتمد هذه الماكنة في جوهرها على خلق حالة من "الضجيج الإعلامي" المستمر، الذي يهدف إلى إرباك المتلقي الجنوبي وإفقاده الثقة في ثوابته السياسية وقياداته الوطنية. فمن خلال ضخ كميات هائلة من المعلومات المتضاربة والشائعات الممنهجة، تنجح هذه المطابخ في خلق بيئة من الشك العام، حيث يتم تضخيم العثرات الطبيعية التي قد ترافق أي تجربة سياسية أو أمنية، مهما كان قصر مده حكمها وتحويلها ببراعة "الدراما الإعلامية" إلى تهم باطله لاتعبر عن الحقيقه وتصويرها بمشروع صراع داخلي او مناطقي في محاوله لخلق حاله من الانقسام والتشضي في الوحده الجنوبيه بمحاوله تفكيك النسيج المجتمعي الجنوبي إن الهدف العميق هنا ليس تقديم حقيقة بديلة، بل هو القضاء على مفهوم "الحقيقة" نفسه، ليدخل المواطن العادي في دوامة من الحيرة تجعله عرضة لليأس، وهو السلاح الأخطر الذي يراهن عليه خصوم القضية الجنوبية لضرب التفاف الحاضنة الشعبية حول مشروعها التحرري.
​وبالنظر إلى آليات عمل هذا التضليل، نجد أنه يتجاوز العفوية بمراحل، إذ يتم استخدام تقنيات حديثة في إدارة الرأي العام عبر منصات التواصل الاجتماعي، التي تحولت من فضاء للتعارف إلى ميادين لـ "الاغتيال المعنوي". تُدار هذه الحملات برؤوس أموال ضخمة وأجندات تسعى لتصوير الجنوب وكأنه يعيش حالة من الانقسام الدائم أو العجز الفطري عن إدارة شؤونه، في محاولة خبيثة لإرسال رسائل للمجتمع الدولي مفادها أن أي مشروع لاستعادة الدولة الجنوبية هو مشروع محكوم بالفشل قبل بدايته. هذا الالتفاف الإعلامي يحاول عزل القضية الجنوبية عن سياقها كقضية شعب يطالب بتقرير مصيره، وتحويلها في نظر العالم إلى مجرد صراعات فئوية أو مناطقية صغيرة، مما يستوجب يقظة إعلامية جنوبية قادرة على كسر هذا الحصار وتفكيك هذه الروايات الزائفة.
​ومع ذلك، فإن مواجهة هذا الطوفان من التزييف تتطلب وقفة جادة مع الذات الإعلامية الجنوبية؛ فالقضية التي تمتلك عدالة الأرض لا بد أن تمتلك براعة الرسالة. إن الفجوة الحالية التي تظهر أحياناً في سرعة الاستجابة أو احترافية الخطاب السياسي الموجه للخارج، هي الثغرة التي تحاول ماكينة التضليل النفاذ منها. لم يعد كافياً اليوم الاعتماد على البيانات التقليدية أو الخطاب العاطفي المشحون، بل بات لزاماً بناء منظومة إعلامية ذكية، تمتلك القدرة على صناعة "الرواية المقابلة" بمهنية عالية، وتخاطب العالم بلغة المصالح والمنطق والقانون الدولي، مع الحفاظ على لغة داخلية مسؤولة تعزز التماسك الوطني وتماسك الحاضنه الشعبيه وتنبذ الفرقة. إن بناء إعلام قوي ليس ترفاً، بل هو ضرورة لحماية الزخم الشعبي والحضور السياسي للقضيه الجنوبيه كمشروع دوله والحفاظ على المكتسبات التي تحققت بالدم والتضحيات.
​وفي نهاية المطاف، يظل الوعي المجتمعي هو "حائط الصد" الأخير والمنيع الذي تتحطم عليه كافة أمواج التضليل. إن المواطن الذي يمتلك عقلاً نقدياً، ويتحرى مصادر الأخبار، ويدرك أن الهجمات الإعلامية تشتد كلما اقترب الجنوب من انتزاع مكاسب سياسية حقيقية، هو الجندي المجهول في هذه المعركة. فالمعركة على الوعي هي معركة "نفس طويل"، والرهان فيها لا يقع فقط على من يملك أعلى صوت، بل على من يمتلك الحقيقة والقدرة على حمايتها من التشويه. إن القضيه الجنوبيه التي صمدت عقوداً في وجه محاولات الطمس والإلغاء، قادره اليوم على الانتصار في حرب العقول، عبر تحويل كل محاولة تضليل إلى فرصة لتمتين الصفوف وتوضيح الرؤية للعالم بأن إرادة الشعوب هي القوة الوحيدة التي لا يمكن لأي ماكينة إعلامية، مهما بلغت قوتها، أن تكسرها أو تزيّف جوهرها

فيديو