الاستراتيجية الإيرانية لتحويل العالم العربي إلى حديقة خلفية لميليشياتها

السياسة - منذ ساعتان

عين الجنوب|| متابعات:

ارتبط قيام الجمهورية الإسلامية في إيران منذ العام 1979 بخطاب سياسي-إيديولوجي يقوم على العداء للولايات المتحدة التي صُنّفت في الأدبيات السياسية الإيرانية بوصفها "الشيطان الأكبر"، وبالتبعية كانت إسرائيل بؤرة حيوية في هذا الصراع. وشكّل هذا الخطاب أهم المكونات المركزية للدعاية السياسية الإيرانية، التي ركّزت على فكرة المواجهة مع النفوذ الأمريكي في المنطقة، ورفض شرعية إسرائيل والدعوة إلى إنهاء وجودها.


غير أنّ الاعتبارات الجيوسياسية أسهمت في تأجيل المواجهة المحتملة بين إيران وإسرائيل لعقود طويلة، إذ إنّ غياب حدود برية مشتركة بين الطرفين حدّ من احتمالات الصدام العسكري المباشر. وفي هذا السياق اكتسب إقليم الهلال الخصيب ـ العراق وسوريا ـ أهمية استراتيجية بوصفه مجالًا جغرافيًا فاصلًا، يمكن توصيفه في الأدبيات الاستراتيجية بـ "المنطقة العازلة" بين قوتين تتسم علاقتهما بقدر كبير من العداء الإيديولوجي والسياسي.

لم يكن المشروع الإيراني مجرد تحول داخلي في بنية الحكم، بل مثّل نقطة انطلاق لرؤية إيديولوجية توسعية أعادت تعريف دور الدولة خارج حدودها. فقد ارتبطت الجمهورية الإسلامية منذ نشأتها بخطاب سياسي يقوم على العداء للولايات المتحدة ورفض إسرائيل، غير أنّ هذا الخطاب لم يترجم إلى مواجهة مباشرة، بقدر ما تحوّل إلى أداة لتوسيع النفوذ عبر مساحات وسيطة في العالم العربي، مستفيدًا من غياب الاحتكاك الجغرافي المباشر مع خصومه. وفي هذا السياق برزت دول المشرق العربي في الاستراتيجية الإيرانية، لا سيّما العراق وسوريا ولبنان، بوصفها "مناطق عازلة" تُدار فيها الصراعات بالوكالة، وتُستخدم كمنصات متقدمة لتحقيق أهداف إيران الإقليمية.

اعتمدت إيران على استراتيجية متكاملة تقوم على بناء شبكات نفوذ غير مباشرة، عبر تأسيس ودعم ميليشيات تدين لها بالولاء. في لبنان تحوّل حزب الله إلى قوة عسكرية وسياسية مهيمنة، قادرة على تعطيل مؤسسات الدولة وفرض توازنات تخدم الأجندة الإيرانية، وهو ما أسهم في تعميق الأزمات السياسية والاقتصادية. وفي العراق برزت الميليشيات المدعومة من طهران كفاعل رئيسي داخل الدولة، حيث اندمجت شكليًا في مؤسساتها، لكنّها احتفظت باستقلالية القرار، الأمر الذي أضعف سيادة الدولة وكرّس الانقسام الطائفي.

وفي سوريا لعبت إيران دورًا محوريًا في دعم النظام خلال الحرب الأهلية، من خلال تدخل عسكري مباشر وغير مباشر، وهو ما أسهم في إطالة أمد الصراع وتوسيع نطاق الدمار. وقد ارتبط هذا التدخل بمحاولات لإعادة تشكيل التوازنات السكانية والطائفية في بعض المناطق، إضافة إلى توسيع حضور الميليشيات المرتبطة بها. وبهذا تحولت سوريا إلى ساحة نفوذ مُركّبة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، لكن يبقى فيها الحضور الإيراني أحد أبرز محددات المشهد.

هذا النمط من التمدد لم يقتصر على دولة بعينها، بل أصبح سمة عامة في عدد من الدول العربية، حيث جرى إضعاف مؤسسات الدولة الوطنية لصالح كيانات موازية مسلحة، ترتبط بطهران إيديولوجيًا وعسكريًا. ونتيجة لذلك تآكلت مفاهيم السيادة الوطنية، وتحوّلت بعض الدول إلى ساحات مفتوحة لصراعات إقليمية تُدار بالوكالة، مثل اليمن، وهو ما جعل المجال العربي يبدو، في كثير من الحالات، كأنّه فضاء متاح لتجريب أدوات النفوذ الإيراني.

كشف هذا المسار عن استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على توظيف الإيديولوجيا والدين والسياسة في آنٍ واحدٍ، بهدف بناء نفوذ ممتد يتجاوز الحدود. إلا أنّ كلفة هذا التمدد كانت باهظة على الدول العربية، فقد أسهم في تعميق الانقسامات الداخلية، وإضعاف مؤسسات الحكم، وإطالة أمد النزاعات، وهو ما جعل الاستقرار الإقليمي أكثر هشاشة، وفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الخارجية.

حزب الله وتقويض الدولة في لبنان

منذ نشأته، عمل حزب الله على ترسيخ هيمنة إيران داخل البيئة الشيعية في لبنان عبر مزيج من الخدمات الاجتماعية والقبضة الأمنية، وهو ما أدى إلى تكوين ما يشبه الهوية الطائفية المنغلقة داخل المجتمع. واستخدم الحزب مؤسساته التعليمية والإعلامية والدينية لتعزيز ولاء مذهبي خاص، منفصل عن بقية مكونات المجتمع اللبناني، مع ممارسة ضغوط على المعارضين داخل الطائفة نفسها لضمان الانضباط والسيطرة.

قام حزب الله بإضعاف مؤسسات الدولة اللبنانية عبر فرض سلطة أمنية موازية، حيث امتلك القدرة على تعطيل قرارات رسمية أو فرض أجندته بالقوة. وأظهرت حوادث ميدانية قيام عناصر مرتبطة به بمنع الأجهزة الأمنية من أداء مهامها، بل واحتجاز عناصر رسمية ومنعهم من تفتيش شحنات مشبوهة، وهو ما يعكس تغوّلًا واضحًا على سلطة الدولة وسيادتها.

وأسهم الحزب في تكريس النظام الطائفي بدل تجاوزه، حيث أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة المحاصصة الطائفية التي تعمّق الانقسام بين مكونات المجتمع. ويُتهم باستخدام الخطاب المذهبي لحشد أنصاره وتعزيز نفوذه، وهو ما أدى إلى زيادة التوتر بين الطوائف، خاصة في ظل أحداث عنف واحتكاكات متكررة في مناطق مختلطة. وبات مسؤولًا عن انتشار خطاب طائفي متشدد تضمن تحريضًا ضد مكونات أخرى، إضافة إلى تمجيد أعمال عنف ذات طابع مذهبي في بعض السياقات الإقليمية، خصوصًا في سوريا. وقد وُجهت اتهامات للحزب ومناصريه بممارسات عدائية تجاه مناطق أو فئات لبنانية مختلفة، وهو ما يعمّق فجوة الثقة داخل المجتمع.

ولعب حزب الله دورًا محوريًا في الحرب السورية إلى جانب النظام، مستخدمًا خطابًا دينيًا يبرر التدخل. وقد أدى هذا التدخل إلى نقل التوترات الإقليمية إلى الداخل اللبناني، وزيادة الاستقطاب بين السنّة والشيعة، فضلًا عن تعريض لبنان لتداعيات أمنية خطيرة.

ومارس الحزب بترتيبات إيرانية ضغوطًا سياسيةً وأمنيةً على الأصوات المعارضة، سواء من داخل الطائفة الشيعية أو خارجها، وهو ما يحدّ من حرية التعبير ويقيد التعددية السياسية. وقد أسهم ذلك في خلق بيئة يخضع فيها القرار المحلي لاعتبارات حزبية ضيقة، بدلًا من أن يكون نتاج توافق وطني شامل.

الجريمة الإيرانية الكاملة في سوريا

منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية لعبت القوات الإيرانية والميليشيات المرتبطة بها، خصوصًا "فيلق القدس" وميليشيات "فاطميون" الأفغانية "وزينبيون" الباكستانية، دورًا مباشرًا في العمليات العسكرية إلى جانب النظام السوري. 

اعتمد الحرس الثوري الإيراني على تجنيد لاجئين أفغان وباكستانيين، بعضهم قُصّر، وإرسالهم إلى سوريا. وقد وثّقت وزارة الخزانة الأمريكية أنّ عناصر من "فاطميون" جرى تجنيدهم تحت التهديد بالسجن أو الترحيل، مع تسجيل مقتل مئات منهم، بينهم أطفال تقلّ أعمارهم عن 14 عامًا. 

مارست هذه التشكيلات انتهاكات واسعة ضد المدنيين في سوريا. ودعت تقارير حقوقية إلى فتح تحقيق دولي بشأن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية منسوبة إلى ميليشيات مدعومة من إيران، شملت: الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، والتهجير القسري، واستخدام أسلحة محظورة دوليًا.

وتشير تقارير ميدانية إلى أنّ العمليات العسكرية التي شاركت فيها هذه الميليشيات في مناطق مثل حمص وحلب وحماة أدت إلى سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين بالتوازي مع تقدمها العسكري.

بنت إيران شبكة واسعة من الميليشيات داخل سوريا، حيث بلغ عدد المقاتلين المرتبطين بها نحو 65500 عنصر من جنسيات مختلفة، بينهم قرابة 8 آلاف مقاتل ضمن لواء "فاطميون". وانتشر هؤلاء في معظم مناطق سيطرة النظام، وهو ما أسهم في ترسيخ واقع عسكري موازٍ يعتمد على الولاء الخارجي أكثر من الانتماء الوطني.

انتهاكات ممنهجة وتقويض الدولة في العراق واليمن

منذ عام 2014 برزت الميليشيات المرتبطة بإيران ضمن تشكيلات الحشد الشعبي كقوة موازية للدولة، إلا أنّ تقارير حقوقية وثّقت تورط بعض هذه الفصائل في انتهاكات جسيمة. فقد أكدت تقارير Human Rights Watch قيام عناصر من هذه الميليشيات بالاعتقال التعسفي والتعذيب بحق مدنيين، خصوصًا في مناطق مثل الحويجة.

وفي سياق العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش، وثّقت المنظمة نفسها عمليات انتقام طائفي واسعة؛ حيث قامت ميليشيات مدعومة من إيران بمهاجمة أكثر من 30 قرية سنّية، وقامت بنهب ممتلكات السكان، وحرق أو تفجير آلاف المنازل والمنشآت، إضافة إلى عمليات خطف طالت مدنيين.

هذه الجماعات لم تكتفِ بالعمل العسكري، بل توسعت داخل مؤسسات الدولة، وهو ما أدى إلى تآكل السيادة العراقية وخلق نظام نفوذ مزدوج تتحكم فيه جماعات مسلحة ذات ولاء خارجي، وقد انعكس ذلك في استمرار الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة من داخل الأراضي العراقية، وتهديد الاستقرار الداخلي والإقليمي.

وفي اليمن تمثل جماعة الحوثي ـ المدعومة من إيران ـ أحد أبرز الفاعلين في النزاع، وقد وُجهت لها اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات خطيرة. وتشير تقارير أممية وحقوقية إلى أنّ الحرب منذ 2015 أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات الآلاف من المدنيين، نتيجة هجمات عشوائية بالصواريخ وقذائف الهاون استهدفت مناطق مأهولة بالسكان. ووثّقت تقارير دولية قيام الحوثيين بإطلاق صواريخ باليستية بشكل عشوائي داخل اليمن وخارجه، إضافة إلى منع وصول المساعدات الإنسانية، وهو ما أسهم في تفاقم واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. وتمّ تسجيل حوادث اختطاف واحتجاز موظفين أمميين وعاملين في منظمات دولية، حيث جرى اعتقال ما لا يقلّ عن 15 موظفًا تابعين للأمم المتحدة ومنظمات دولية خلال حملات أمنية في صنعاء، إلى جانب اقتحام مكاتب ومصادرة ممتلكات.

ومارس الحوثيون انتهاكات ممنهجة ضد الصحفيين، شملت الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري، في بيئة قمعية تستهدف حرية الإعلام.

فيديو