منحة أم صفقة؟.. حضرموت بين وعود الكهرباء وفاتورة الطاقة المشتراة ؟

تقارير - منذ 10 ساعات

حضرموت.عين الجنوب||خاص              



في الوقت الذي كان فيه أبناء حضرموت ينتظرون حلولًا جذرية تنهي سنوات الانقطاعات الكهربائية وتضع حدًا لمعاناة الصيف المتكرر، بدأت تتكشف تفاصيل جديدة أعادت فتح ملف “الطاقة المشتراة” بكل ما يحمله من تساؤلات سياسية واقتصادية، خصوصًا مع تصاعد الحديث عن ارتباط شركات تشغيل الكهرباء بمصالح استثمارية خاصة، الأمر الذي فجّر موجة غضب واسعة في الشارع الحضرمي.
القضية لم تعد بالنسبة للكثير مجرد أزمة خدمات أو عجز حكومي في توفير التيار الكهربائي، بل تحولت إلى ملف سيادي يرتبط بطريقة إدارة موارد المحافظة وثرواتها، وسط اتهامات متزايدة بأن ما تم تقديمه للرأي العام على أنه “دعم” و”منحة” لإنقاذ قطاع الكهرباء، قد يكون في حقيقته مشروعًا استثماريًا طويل الأمد يحمّل المحافظة أعباء مالية ضخمة تحت مسمى الحلول الإسعافية.
وخلال الأشهر الماضية جرى الترويج لمشروع الـ200 ميجاوات باعتباره خطوة إنقاذية عاجلة ستخفف من ساعات الانطفاءات وتحسن وضع الكهرباء، غير أن النقاشات الأخيرة كشفت أن المشروع يندرج ضمن عقود الطاقة المشتراة، وهي العقود التي تعتمد على شراء الكهرباء من شركات خاصة بأسعار مرتفعة تتحملها السلطات المحلية لاحقًا، ما يعني تراكم مديونيات جديدة بدل بناء بنية تحتية مستقرة ودائمة.
وزاد الجدل بعد تداول معلومات عن قيام شركة خليجية متخصصة في الطاقة بتوريد مولدات كهربائية إلى حضرموت، مع حديث متصاعد عن ارتباطها بمسؤولين نافذين، الأمر الذي دفع كثيرين للتساؤل حول طبيعة العلاقة بين “الدعم” و”الاستثمار”، وهل تحولت أزمة الكهرباء إلى بوابة لتحقيق أرباح ضخمة من معاناة المواطنين الذين يعيشون أصلًا تحت ضغط اقتصادي وخدمي خانق.
ويرى مراقبون أن الأزمة لا تتعلق فقط بتوفير الكهرباء، بل بطريقة إدارة الملف بالكامل، إذ إن الاعتماد المستمر على الطاقة المشتراة خلال السنوات الماضية استنزف موارد هائلة دون أن يحقق استقرارًا حقيقيًا للخدمة، بينما بقيت المحافظات الجنوبية تعيش في دوامة الانقطاعات وارتفاع كلفة التشغيل، في وقت كان المواطن ينتظر مشاريع استراتيجية ومحطات توليد دائمة تستفيد من الموارد المحلية الهائلة.
كما أثار الحديث عن التحكم في توزيع الوقود المنتج محليًا الكثير من علامات الاستفهام، خاصة مع اعتبار بعض الأصوات أن ما يجري لا يمثل دعمًا خارجيًا بقدر ما هو إعادة تدوير لموارد حضرموت نفسها ضمن ترتيبات تمنح أطرافًا محددة نفوذًا واسعًا على قطاع الطاقة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق تتعلق بالسيادة الاقتصادية وإدارة الثروات المحلية.
وتتزايد المخاوف الشعبية من أن تتحول الخدمات الأساسية إلى سوق استثمار مغلق تتحكم به شركات مرتبطة بمراكز نفوذ سياسية، بينما يبقى المواطن الحلقة الأضعف الذي يدفع الثمن عبر الضرائب والانهيار المعيشي والانقطاعات اليومية، خصوصًا مع غياب الشفافية حول تفاصيل العقود وآليات التسعير وحجم الالتزامات المالية المستقبلية.
وفي ظل هذه التطورات، تبدو حضرموت أمام مشهد معقد تختلط فيه السياسة بالاقتصاد والخدمات، حيث لم تعد أزمة الكهرباء مجرد أزمة فنية عابرة، بل أصبحت عنوانًا لصراع أوسع حول النفوذ والثروة وإدارة الموارد، وسط مطالب متزايدة بكشف كل تفاصيل العقود المرتبطة بالطاقة المشتراة، ومحاسبة الجهات التي حولت ملف الخدمات إلى باب مفتوح للاستنزاف المالي والارتهان الاقتصادي.
ومع كل صيف جديد تتجدد الوعود، لكن الشارع الحضرمي بات أكثر تشككًا في الخطابات الرسمية، خاصة بعدما تحولت المشاريع الإسعافية المؤقتة إلى واقع دائم يبتلع الموارد دون أن ينهي الأزمة، لتبقى الأسئلة معلقة: هل كانت الوعود فعلًا مشروع إنقاذ؟ أم أن الكهرباء أصبحت واحدة من أكبر بوابات الاستثمار السياسي في الجنوب؟

فيديو