هاني مسهور

في مصانع الهزيمة العربية

مقالات - منذ 7 ساعات

ونحن العرب نستورد السجاد الإيراني لنسير فوقه على أقدامنا، جئنا أيضًا بأحد حاكة السجاد أحمديان، ولذلك كان علينا أن نستدعي من ذاكرتنا ابن خلدون صاحب العبارة: “إنما تبدأ الأمم بالهزيمة من داخلها”. فليست كل الهزائم عسكرية؛ أحيانًا تسقط الأمم قبل أن تدخل الدبابات حدودها، وقبل أن تُقصف مدنها، وقبل أن تنهار جيوشها. تسقط أولًا حين يُعاد تشكيل وعيها بطريقة تجعلها عاجزة عن رؤية الحقيقة، أو غير راغبة في رؤيتها أصلًا. عند تلك اللحظة، يصبح الإعلام أخطر من المدفع، ويصبح الميكروفون أحيانًا أكثر قدرة على تدمير الدول من الصاروخ نفسه.

لهذا لم يكن أحمد سعيد مجرد مذيع في إذاعة صوت العرب خلال هزيمة 1967، إنما كان جزءًا من ماكينة نفسية ضخمة صنعت واحدة من أكبر حالات الانفصال الجماعي عن الواقع في التاريخ العربي الحديث. بينما كانت الطائرات العربية تُدمَّر على المدارج، والجبهات تنهار بسرعة مرعبة، كان صوت أحمد سعيد يعلن الانتصارات المتتالية، ويتحدث عن إسقاط عشرات الطائرات الإسرائيلية، حتى بدا للعربي العادي أن الأمة تتقدم نحو النصر بينما كانت تتجه عمليًا نحو واحدة من أكثر لحظاتها انكسارًا.

المشكلة لم تكن في أحمد سعيد وحده، وإنما في المدرسة التي أنتجته؛ المدرسة التي تعتقد أن الخطاب قادر على إلغاء الواقع، وأن الجماهير يكفي أن تسمع ما يرفع معنوياتها حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة نفسها. ولهذا خرج العرب من هزيمة 1967 وهم أكثر امتلاءً بالشعارات، وأقل استعدادًا لمراجعة أسباب السقوط الحقيقي

بعد عقود، تكرر المشهد بصورة مختلفة مع طيب الذكر محمد سعيد الصحاف أثناء سقوط بغداد عام 2003. العالم كله كان يشاهد الدبابات الأميركية تدخل العاصمة العراقية، بينما كان الصحاف يقف أمام الكاميرات ليعلن أن “العلوج ينتحرون على أسوار بغداد”. لم يكن الرجل يقرأ بيانات فقط، إنما كان يقدم عرضًا متكاملًا عن قدرة الأنظمة المهزومة على تحويل الانهيار إلى مسرحية خطابية تحاول تأجيل الاعتراف بالحقيقة حتى آخر لحظة ممكنة.

اليوم تتكرر الآلية نفسها بصورة أكثر هدوءًا وتعقيدًا مع حسن أحمديان، الذي يظهر على شاشة قناة الجزيرة متحدثًا بلغة أكاديمية ناعمة عن “التوازن” و”الردع” و”محور المقاومة”، بينما النظام الذي يدافع عنه يقصف قطر نفسها التي تستضيف القناة التي تمنحه الميكروفون والمساحة والقدرة على مخاطبة الجمهور العربي.

هنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ لم تعد المسألة مجرد دعاية سياسية تقليدية، إنما تحولت إلى حالة كاملة من الانفصال الأخلاقي والمعرفي. محلل يجلس داخل دولة خليجية مستقرة، ثم يستخدم شاشتها لتبرير مشروع توسعي أيديولوجي يقوم عمليًا على تفكيك الدول العربية عبر الميليشيات والسلاح والفوضى العابرة للحدود.

الأخطر أن الخطاب الجديد لا يقدم نفسه بوصفه خطابًا دعائيًا، إنما كتحليل “رصين” و”موضوعي”. يجري الحديث عن الجغرافيا السياسية، وعن موازين القوى، وعن “إعادة تشكيل الشرق الأوسط”، بينما يغيب الإنسان العربي تمامًا من الصورة. لا أحد يتحدث عن المدن التي تحولت إلى أنقاض، أو المجتمعات التي غرقت في الطائفية، أو الاقتصاد الذي انهار، أو الأجيال التي كبرت داخل الخوف والمولدات الكهربائية والطوابير والبطالة والسلاح.

وهنا تظهر وظيفة مصانع الهزيمة الحديثة؛ لم تعد تعتمد على الأكاذيب الصاخبة فقط كما حدث في زمن إذاعات الستينات، إنما على تحويل الخراب نفسه إلى فكرة قابلة للتبرير الأكاديمي. يصبح الصاروخ “رسالة إستراتيجية”، وتصبح الميليشيا “أداة ردع”، ويصبح انهيار الدولة “تحولًا جيوسياسيًا” داخل مشروع أكبر.

لكن المرحلة الأخطر أن هذه المصانع لم تعد محصورة في الفضائيات، بل انتقلت إلى الهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعي. الذباب الإلكتروني، الحسابات الوهمية، البوتات، الصفحات المنسقة، كلها تعمل اليوم بمنهجية صناعية لإعادة إنتاج الخطاب نفسه بصورة أكثر سرعة وانتشارًا وتأثيرًا.

هذه الآلة تصنع وهمًا ضخمًا بالإجماع الشعبي؛ يرى المواطن آلاف الحسابات تردد الرواية ذاتها، فيظن أن الأمة كلها تؤمن بها، بينما هي مجرد هندسة رقمية للرأي العام. ومع الوقت، يتحول الإنسان العربي إلى كائن مرتبك معرفيًا، لا يثق بأي حقيقة، ولا يمتلك القدرة على التحقق من أي شيء، فيصبح أكثر استعدادًا لتصديق أي خطاب حاد ومشحون بالعاطفة.

المشكلة الأكبر أن بعض الإعلام العربي لم يعد ضحية لهذه السرديات، إنما أصبح شريكًا في إنتاجها وتسويقها وإعادة تدويرها. فمنذ مطلع الألفية، دخل الإعلام العربي مرحلة احتكار سياسي ومالي واسع، جرى خلالها شراء المحطات وإعادة تشكيل المجال العام وفق خطاب دعائي واحد يقوم على تلميع سردية نظام سياسي أيضًا طائفي ومذهبي متعصب يعاكس الإيراني الأيديولوجي، مع تراجع كبير في التنوع الفكري والثقافي الذي كان يمنح المجال العربي حيويته.

تدريجيًا، تحول الإعلام إلى نسخة مكررة من نفسه: المذيع نفسه، المحلل نفسه، المفردات نفسها، وحتى الغضب نفسه. ومع الزمن، هبط المستوى المعرفي بصورة مرعبة، لأن الإعلام حين يتحول إلى أداة علاقات عامة يفقد قدرته على إنتاج التفكير الحر، ويصبح هدفه صناعة جمهور يصفق لا جمهور يسأل.

ولهذا لم يعد غريبًا أن تنجح السرديات الأيديولوجية في اختراق قطاعات واسعة من الجمهور العربي. الإنسان الذي حُرم من الثقافة الحقيقية، ومن النقاش الحر، ومن التنوع الفكري، يصبح أكثر قابلية لتصديق أي مشروع يرفع صوته عاليًا ويتحدث بلغة “المعركة الكبرى”.

هنا تكمن الكارثة الحقيقية؛ حين تتحول القضايا العادلة، وفي مقدمتها فلسطين، إلى مظلة مفتوحة لكل مشروع تخريبي، يصبح الناس مستعدين لتبرير أي شيء: احتلال عاصمة عربية، تهريب السلاح، اغتيال السياسيين، تفجير المجتمعات، قصف المدن الخليجية، ثم الجلوس أمام الكاميرا للحديث عن “السيادة” و”التحرر”.

من أحمد سعيد إلى الصحاف وحتى حسن أحمديان، تتغير الأسماء وتتبدل التقنيات، لكن المدرسة واحدة: تحويل الهزيمة إلى خطاب، والخراب إلى ملحمة، والضحية إلى جمهور يصفق لمن دمّر حياته باسم “المعركة الكبرى”. في كتابه “سيكولوجية الجماهير”، كتب غوستاف لوبون عبارته الخالدة: “الجماهير لا تعطش إلى الحقيقة، ومن يستطيع أن يزوّدها بالأوهام يصبح سيدها”. هل عرفتم الآن كيف استحوذ أحمديان والذباب الإلكتروني على الرأي العام العربي؟

فيديو