د. أمين العلياني

اللجنة الخاصة: من تشويه رمزية الرئيس الزُبيدي إلى استهداف المجلس الانتقالي

مقالات - منذ ساعتان

في دهاليزَ لا تبلغُها الشمس، وتحت سقوفٍ تعتّقَ فيها رائحةُ التآمر، تواصلُ اللجنةُ الخاصةُ السعوديةُ عملَها الدؤوب، فلا ينامُ صانعو القرار هناك، ولا تهدأُ محابرُهم، ولا تتوقفُ أدواتُهم عن الحركة، وهذا النشاطُ المحمومُ لا يتعلقُ بخلافٍ سياسيٍّ عابر، ولا بتبايُنٍ في وِجهاتِ النظر يُمكنُ أن يُحلَّ على طاولةِ الحوار، بل هو عبثٌ عميقٌ في جسدِ الأرضِ الجنوبية مؤامرة واضحة على مشروع شعبها التحرري، عبثٌ يتجاوزُ كلَّ معاييرِ السقوطِ الأخلاقيِّ في العملِ السياسيّ، ويدخلُ في نطاقِ الجريمةِ الدولية المكتملةِ الأركانِ بحقِّ شعبٍ وقضيته ومشروعه وهويته.

لقد بدأتِ المأساةُ فصلَها الأولَ من لوهلةِ الأولى مركزًا على: تشويه رمزيةِ الرئيس عيدروس الزُبيدي. وانطلقتِ الآلةُ الإعلاميةُ للجنةِ الخاصةِ تنسجُ أكاذيبَها بمهارةِ الزارعِ الذي يبذرُ الشوكَ في حقلِ القمح، تروجُ هنا وهناك أن الزبيدي لا يمثلُ قضيةَ شعبِ الجنوب، وأنه لا يحقُّ له أن يدّعيَ أنه المفَوَّضُ شعبيًّا لتمثيلِ تطلعاتِهم. وظنوا، بهذا الإصرار السافر، أنَّ صورةَ الرئيسِ الزُبيدي هشةٌ في وِجدانِ جماهيرِه، وأنهم بقليلٍ من الدسِّ وكثيرٍ من المالِ قادرونَ على اقتلاعِها من قلوبِ شعبه. وقد راهنوا على النسيان، على التعب، على اليأس، لكنهم اصطدموا بصخرةِ الواقعِ التي عصفتْ بحساباتِهم الواهمة، وفشلوا فشلًا ذريعًا في إسقاطِ الرمزِ من وِجدانِ شعبِه ومُناصِريه، فشلٌ دفعَهم إلى مرحلةٍ أكثرَ خطورةً وقذارة.
فبعد أن أُغلِقتْ في وجوهِهم أبوابُ السماء، قررتِ اللجنةُ الخاصةُ أن تحفرَ أنفاقًا في الأرض؛ حيث انتقلتْ أدواتُها إلى الميدانِ مباشرةً، مُستخدمةً سُلطاتِ الأمر الواقع للوصول إلى المؤسستين الأمنيةِ والعسكريةِ وماكيناتِها الإعلاميةِ الضخمة، في محاولةٍ عبثيةٍ جديدة، هذه المرة لضربِ خاصرةِ القوةِ الجنوبيةِ في أصلبِ عُودِها. لقد وقعَ الاختيارُ على المثلثِ القوي الذي لطالما شكّلَ عمقَ القوةِ السياسيةِ والعسكريةِ والأمنية: يافع، وردفان، والضالع. هذه الحواضنُ الصلبة، التي تُعدُّ درعَ الجنوب وسيفَها، استهدفَتها الخطةُ الأخطر عبرَ تصويرِ الأمرِ وكأنّ ثمّةَ بديلًا جاهزًا لقيادةِ الداخل، بديلٌ قابعٌ في الرياض، يجبُ أن تتحولَ إليه ولايةُ القواتِ وتوجيهاتُها. ومن خلال رُسِمَ المشهدُ بدقةٍ وسينمائيةٍ مُقززة، فالقائدُ (ص) المُوالي لـ(ز) يجبُ أن يحلَّ محلَّ القائدِ (س) المُوالي لـ(ع)، ليس لأنّ (س) عاجز، بل لأنّ (ع) باتَ في نظرِهم خصمًا وجوديًّا، والمطلوبُ بعد ذلك كان أوضحَ من الشمس: فكفكةُ القوات، ثم فكفكةُ المناطق في نزع بذرة الشقاق المناطقي، وزرعُ بذورِ الريبةِ وزعزعةُ الثقةِ بين الأطرافِ الجنوبيةِ حتى تتشتتَ بين مناصرِ (س) و(ص)، ويتحولَ البيتُ الواحدُ إلى جبهتين.

وهنا، في ذروةِ العبث، تجلتِ الصورةُ الأكثرُ بشاعةً للمُخطط أن استطاعوا إنجاحَها عبر أدواتهم في إشعالِ الفتنةِ بين فريقينِ من أبناءِ القضيةِ الواحدة والمشروع الواحد: فريق (ز) وفريق (ع). فليأتي دورُ الأدواتِ الإعلاميةِ في إلصاقِ تُهمةِ الموالاةِ للمشروعِ الإماراتيِّ الصهيونيِّ الجاهزة بفريق (ع)، لا لشيءٍ إلا لأنه رفضَ رفضًا قاطعًا فكرةَ التسويةِ مع الحوثي، وأبى إلا أن يبقى على عهدِ الدماءِ التي سالت وانتصر لفكرة المشروع الجنوبي التحرري. وفي المقابلِ صُوِّرَ فريقُ (ز) على أنه صارَ الحاضنَ الأمينَ للمشروعِ العربيِّ الذي أصبح اليوم في علاقة شبه حميمية مع المشروع الفارسيِّ الحوثي الذي يحققُ عبر حلفائه رغباتِ إيران، وذلك من خلالِ عقدِه لتسوياتٍ ولقاءاتٍ مشبوهةٍ مع الحوثي، ليس في الخفاء، بل تحت ضماناتِ الصينِ ورعايتِها، وبواسطةٍ من سلطنةِ عُمان، وفي جلساتٍ تُعقدُ في ربوعِ المملكةِ الأردنية. إنها ازدواجيةُ المعاييرِ بعينِها، وتفسيرُ المواقفِ بحسبِ الأهواء، حيث يُصبحُ المُتمسكُ بحقِّه “صهيونيًّا”، والمُساومُ على دمِ شهدائِه “واقعيًّا”.

لم تكتفِ اللجنةُ الخاصةُ بهذا القدرِ من التدمير، بل امتدتْ أذرعُها الخفيةُ إلى محافظاتِ حضرموت والمهرة وشبوة بأساليبَ أكثرَ قذارةً وانحطاطًا. وهناك، اشتغلتِ الأدواتُ على زراعةِ “فوبيا” نفسيةٍ جماعية، وخلقِ انشقاقاتٍ اجتماعيةٍ عمودية، تغرسُ في العقلِ الجمعيِّ فكرةً مرعبة: إنّ أيَّ تقاربٍ أو اتحادٍ بين فريقي (ع) و(ز) في محافظات عدن ولحج والضالع يمثلُ تهديدًا عسكريًّا وسياسيًّا وجوديًّا، من شأنِه أن يُعيدَ حضرموت والمهرة وشبوة إلى ما يُسمّونه “عصرَ الهيمنةِ السابقةِ لدولةِ الجنوب”. وكبديلٍ لهذا “الخطرِ” المُتخيَّل، يأتي الحلُّ الجهنمي: إدخالُ قواتِ الطوارئ الإخوانية اليمنيةِ بثوب سلفي بوَلائها الزيديِّ الفارسيِّ لكي “تحمي” هذه المحافظات من “المشروعِ الصهيونيِّ الجنوبيِّ الإماراتيِّ”. إنها لمفارقةٌ عابثة، ومسرحيةٌ هزلية، تُوظَّفُ فيها كلُّ هذه الترهاتِ الرخيصةِ التي تتقنُها أدواتُ اللجنةِ الخاصةِ السياسيةُ والعسكريةُ والاقتصاديةُ والإعلاميةُ لتبريرِ تمزيقِ الجنوب.

لكن، دعونا نسألُ السؤالَ الجوهريَّ هنا: لماذا كلُّ هذا؟ ألأنّ الجنوبيَّ غيرُ مسلم؟ ألأنه شيوعيٌّ كما يزعمون؟ ألأنه صهيونيٌّ إماراتيٌّ؟ ألأنه كان تابعًا للضاحيةِ الإيرانيةِ كما يدّعون؟ كلّا وألفُ كلّا. فالحقيقةُ المُرّةُ التي لا يجرؤون على البَوحِ بها هي أنّ الجنوبيَّ أضحى مُجمعًا تحت إرادةٍ شعبيةٍ واسعةٍ وعارمة، إرادةٍ فوضتِ الرئيس عيدروس الزُبيدي ليكونَ صوتَها ومُمثلَها. وهذه الإرادةُ، وهذا الالتفافُ الجماهيريُّ الصلب، باتا عصيَّ الكسر والاختراق، مُستعصِيَينِ على كلِّ أدواتِ الإذلال، إلا بالتدخلِ العسكريِّ والوصايةِ المفروضةِ بقوةِ السلاح. وقد أتى المُبررُ جاهزًا بالعزفِ على وترِ دخولِ الرئيس الزُبيدي إلى حضرموت، وكأنّ حضرموت ليست جنوبية! وكأنّ الرجلَ دخلَ أرضًا غريبةً أو احتلَّ وطنًا آخر! إنها البروباغندا العابثة بعينِها.

وهنا، في هذه النقطةِ تحديدًا، تنكشفُ الحلقةُ الأهمُّ في المخطط: الهدفُ لم يعدْ مُجردَ عزلِ الرئيسِ الزُبيدي أو تشويهِه، بل تجاوزَ ذلك بكثيرٍ ليستهدفَ المجلسَ الانتقاليَّ الجنوبيَّ في صميمِ وجودِه. إنه الاستهدافُ الممنهجُ للحاملِ السياسيِّ للمشروعِ الجنوبيِّ التحرريِّ وفكرةِ استعادةِ دولةِ الجنوبِ العربيّ كاملةَ السيادة. فلو كان المطلوبُ فقط إزاحةَ الرئيس، لكانتِ السعوديةُ قد اكتفتْ بعزلِه، ولما كانت هناك حاجةٌ لحلِّ المجلسِ الانتقاليِّ بأكمله. لكنّ المطلوبَ أكبر، المطلوبُ تصفيةُ الكيانِ الحاملِ للمشروع، وقتلُ الفكرةِ قبلَ أن ترى النور، لأنّ المجلسَ الانتقاليَّ هو بالنسبةِ لهم المشروعُ المُتجددُ الذي يهددُ كلَّ تسوياتِهم القادمة.

ومن هنا يأتي الرابعُ من مايو في هذا العام، ليس كذكرى عابرة، بل كصرخةِ ميلادٍ جديدة. ميلاد يتجدد ويعلن يومًا تاريخيًا للإجماعِ الجنوبيِّ العظيم، يومًا تتوحدُ فيه الرغبةُ العارمةُ في استعادةِ دولةِ الجنوبِ العربيّ كاملةَ السيادة، ويومًا تجدد فيه عهدَ التفويضِ الشعبيِّ للرئيس عيدروس الزُبيدي، ذلك التفويضُ الذي تخرج فتُعلنَه الجماهيرُ المليونيةُ في شوارعِ عدنَ وساحاتِ حضرموت. ولم تخرجْ هذه الجماهيرُ لتجددَ التفويضَ فحسب، بل تخرج لتقولَ كلمتَها الفصلَ للعالمِ أجمع: لا للعبثِ الحاصلِ في البُنيةِ الاجتماعيةِ للجنوب، لا لمحاولاتِ زرعِ بذورِ الشقاقِ بين أبنائِه، وتفكيك قواته وتقول لا لكلِّ هذه المؤامراتِ الحقيرة. إنها رسالةٌ مدويةٌ بأنّ خططَكم، أيها العابثون، ستفشلُ حتمًا أمامَ إرادةِ شعبِنا الجنوبيِّ العربيّ، وأمامَ تضحياتِه الجِسامِ التي سقتْ تربةَ هذا الوطنِ الطاهر.

إنّ عجلةَ التاريخِ لا تعودُ إلى الوراء، وسفينةَ الجنوبِ ماضيةٌ في طريقِها، تقودُها إرادةُ شعبٍ لا يقبلُ المساومة، وترسمُ مسارَها رمزيةُ رابعِ مايو الخالدة، وتحميها تضحياتُ أبناءٍ أوفياءَ آمنوا بأنّ الفجرَ آتٍ مهما اشتدَّ الظلام، ومهما تكالبتْ قوى الشرِّ والعبث.

فيديو