الأمن القومي أم إدارة الأزمة؟.. كيف تحولت أخطاء السياسة السعودية في الجنوب إلى عبء على أهدافها الاستراتيجية

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب ||خاص:
على مدى سنوات الحرب السعوديه في اليمن قدمت المملكة العربية السعودية تدخلها باعتباره ضرورة تفرضها اعتبارات ماتسميه با الأمن القومي وحماية الحدود ومواجهة التهديدات الإقليمية المتصاعدة. غير أن مسار الأحداث على الأرض، وخاصة في الجنوب كشف عن سلسلة من السياسات والقرارات التي أثارت جدلاً واسعاً حول مدى نجاح هذه المقاربة وقدرتها على تحقيق الأهداف التي أعلنتها الرياض منذ بداية تدخلها.
ففي الوقت الذي كان يُنظر فيه إلى الجنوب باعتباره الحليف الأكثر فاعلية في مواجهة الجماعات المسلحة وتأمين الممرات البحرية ومكافحة الإرهاب، وجدت قطاعات واسعة من الرأي العام الجنوبي نفسها أمام حالة من التناقض بين ما يُطرح من شعارات حول الشراكة والاستقرار وبين واقع سياسي اتسم بالتردد وغياب الرؤية الواضحة تجاه مستقبل الجنوب وقضيته السياسية.
ويرى مراقبون أن أحد أبرز أخطاء السياسة السعودية تمثل في التعامل مع الجنوب باعتباره ملفاً أمنياً مؤقتاً أكثر من كونه قضية سياسية ذات جذور تاريخية وتعقيدات متراكمة. فبدلاً من الانطلاق من الوقائع التي أفرزتها التطورات العسكرية والسياسية على الأرض، استمرت الرياض لفترات طويلة في الرهان على صيغ سياسية تقليدية لم تعد قادرة على مواكبة التحولات التي شهدتها المنطقة منذ سنوات.
كما أن التركيز المفرط على هاجس الأمن القومي جعل كثيراً من القرارات تُبنى وفق حسابات قصيرة المدى مرتبطة بإدارة الأزمة، لا بمعالجة أسبابها الحقيقية. وقد انعكس ذلك في دعم ترتيبات سياسية وأمنية متغيرة، الأمر الذي ساهم في إرباك المشهد وإضعاف الثقة بين مختلف الأطراف، وخلق حالة من الضبابية بشأن الاتجاه الذي تسير نحوه الجهود الإقليمية.
ومن بين الانتقادات التي تُوجَّه للسياسة السعودية أيضاً أنها لم تنجح في بناء شراكة مستقرة مع القوى الفاعلة على الأرض، بل انتقلت بين رهانات متعددة ومتناقضة في بعض الأحيان. فبدلاً من الاستثمار في القوى التي أثبتت حضورها وتأثيرها الميداني، ظل المشهد خاضعاً لحسابات التوازنات الإقليمية والضغوط الدولية، وهو ما أدى إلى تكرار الأزمات وتأجيل الحلول.
ويشير منتقدون إلى أن شعار "الأمن القومي" تحول في كثير من الأحيان إلى مبرر لتأجيل الاستحقاقات السياسية الكبرى، وفي مقدمتها معالجة مستقبل الجنوب بصورة واضحة وصريحة. فكلما برزت مطالب سياسية أو استحقاقات مرتبطة بإعادة صياغة العلاقة مع الطرف الفاعل على الارض عادت المخاوف الأمنية إلى الواجهة لتبرير استمرار الوضع القائم وتأجيل النقاش حول الحلول النهائية.
كما أن حالة التردد في حسم العديد من الملفات الاقتصادية والخدمية ساهمت في تعميق الأزمات المعيشية داخل محافظات الجنوب. فالمواطن الذي كان ينتظر أن تقود سنوات التدخل إلى تحسين مستوى الخدمات والاستقرار الاقتصادي، وجد نفسه أمام تحديات متزايدة تتعلق بالكهرباء وتدهور العملة وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات الأساسية، الأمر الذي انعكس سلباً على صورة التحالف وأهدافه المعلنة.
ويرى محللون أن أي سياسة ناجحة تجاه الجنوب لا يمكن أن تقوم فقط على الحسابات الأمنية، لأن الاستقرار الدائم يحتاج إلى رؤية سياسية واقتصادية متكاملة تعالج جذور المشكلة وتستوعب التحولات التي فرضتها السنوات الماضية. فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي لصناعة السلام، كما أن إدارة الأزمات لا يمكن أن تكون بديلاً عن بناء حلول مستدامة تستند إلى التفاهم والشراكة والوضوح.
ومع استمرار المتغيرات الإقليمية والدولية، تبدو الرياض أمام اختبار مهم يتعلق بقدرتها على مراجعة سياساتها السابقة واستخلاص الدروس من التجربة الماضية. فنجاح أي مقاربة مستقبلية لن يقاس فقط بمدى حماية الحدود أو احتواء التهديدات الأمنية، بل بقدرتها على إنتاج استقرار سياسي حقيقي يحظى بقبول الأطراف المحلية ويؤسس لعلاقة أكثر توازناً بين المصالح الإقليمية وتطلعات أبناء الجنوب.
وفي النهاية، فإن النقاش الدائر حول أخطاء السياسة السعودية في الجنوب لا يتعلق برفض دور المملكة أو التقليل من أهميته فحسب بل باعنبارات ماتسميه بالأمن القومي، بقدر ما يعكس تساؤلات متزايدة حول جدوى السياسات التي اتُّبعت خلال السنوات الماضية، وحول الحاجة إلى طريقه جديدة تتجاوز منطق إدارة الأزمة والوصايه نحو البحث عن حلول أكثر واقعية واستدامة، قادرة على تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية في آن واحد. وهذا لايتحقق الا بوجود دوله جنوبية تحفظ حق الجوار وتراعي مايسمى بالامن الاقليمي ( أمن المملكة).

فيديو