بين حرارة الصيف ووعود الدعم.. المواطن ينتظر النتيجة

تقارير - منذ ساعتان

عدن عين الجنوب خاص

في وقتٍ بلغت فيه معاناة المواطنين ذروتها تحت وطأة الانقطاعات المتواصلة للتيار الكهربائي وارتفاع درجات الحرارة بصورة غير مسبوقة، عاد ملف دعم قطاع الكهرباء إلى الواجهة مجددًا مع الإعلان عن حزمة تمويل جديدة مخصصة لتوفير الوقود اللازم لتشغيل محطات التوليد. وبين الآمال الشعبية الكبيرة والشكوك المتراكمة من تجارب سابقة، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة: هل ستتحول هذه الملايين إلى ساعات تشغيل حقيقية يشعر بها المواطن في منزله، أم ستبقى مجرد أرقام تتداولها وسائل الإعلام والمنصات الرسمية؟
يعرف المواطن جيدًا أن أزمة الكهرباء لم تعد مجرد مشكلة خدمية عابرة، بل تحولت إلى عنوان يومي للمعاناة الإنسانية والاقتصادية. فمع كل صيف تتكرر المشاهد ذاتها؛ مستشفيات تواجه صعوبات في العمل، ومصالح متوقفة، وأسر تقضي ساعات طويلة في مواجهة الحر الخانق، بينما تتراكم الوعود والحلول المؤقتة دون أن تلامس جذور المشكلة.
إن أي دعم موجه لقطاع الكهرباء يمثل فرصة مهمة للتخفيف من هذه المعاناة، خاصة إذا تم توظيفه بطريقة شفافة تضمن وصول الوقود إلى المحطات واستغلاله بالشكل الذي ينعكس مباشرة على مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين. غير أن التجارب السابقة جعلت الشارع أكثر حذرًا في التعامل مع مثل هذه الإعلانات، بعدما شهد خلال السنوات الماضية العديد من برامج الدعم التي لم تحقق النتائج المرجوة بالقدر الذي يتناسب مع حجم الأموال التي تم تخصيصها.
وتكمن المعضلة الأساسية في الفجوة الكبيرة بين ما يُعلن من مشاريع واتفاقيات وبين الواقع الذي يعيشه المواطن على الأرض. فالمواطن لا يقيس النجاح بحجم المبالغ المعلنة ولا بعدد المؤتمرات والتصريحات الرسمية، بل بعدد ساعات التشغيل التي يحصل عليها يوميًا، وبمدى تحسن الخدمة في منزله ومستشفى منطقته ومدرسة أبنائه.
ولهذا فإن الحديث عن الحوكمة والرقابة والمتابعة لم يعد ترفًا إداريًا، بل أصبح ضرورة ملحة لضمان عدم تكرار أخطاء الماضي. فالرقابة الحقيقية لا تعني فقط تتبع حركة الوقود من الميناء إلى المحطات، وإنما تمتد إلى مراقبة كفاءة التشغيل، ومعدلات الاستهلاك، وآليات الصرف، والتأكد من أن كل لتر وقود ينعكس فعليًا على إنتاج الطاقة وتحسين الخدمة العامة.
وتزداد أهمية هذه الإجراءات في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، حيث لم يعد المواطن قادرًا على تحمل المزيد من الأعباء الناتجة عن تدهور الخدمات الأساسية. فالكهرباء اليوم ليست مجرد خدمة عامة، بل عنصر أساسي يرتبط بالصحة والتعليم والاستقرار الاقتصادي والأمني والاجتماعي.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو المسؤولية مضاعفة على الجهات المعنية بإدارة قطاع الكهرباء، إذ إن نجاح هذه المنحة سيشكل نقطة تحول مهمة تعيد جزءًا من الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسات الرسمية، بينما سيؤدي أي إخفاق جديد إلى تعميق حالة الإحباط الشعبي وتعزيز القناعة بأن المشكلة تتجاوز نقص الموارد إلى سوء الإدارة وغياب المساءلة.
إن الشارع الذي يترقب نتائج هذا الدعم لا يبحث عن بيانات مطولة ولا عن احتفالات بروتوكولية، بل ينتظر نتائج ملموسة يمكن قياسها على أرض الواقع. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد توقيع الاتفاقيات، عندما تصل شحنات الوقود إلى المحطات وتدور التوربينات وتزداد ساعات التشغيل ويشعر المواطن بأن هناك فرقًا حقيقيًا في حياته اليومية.
وفي النهاية، يبقى الرهان معلقًا على قدرة الجهات المسؤولة على تحويل هذه الأموال إلى خدمة مستدامة وفاعلة. فالمواطن الذي أنهكته الأزمات لا يريد وعودًا جديدة، بل يريد كهرباء مستقرة تخفف عنه قسوة الحياة اليومية. وعندها فقط يمكن القول إن الملايين المخصصة للكهرباء وصلت إلى هدفها الحقيقي، ولم تتحول إلى مجرد أرقام عابرة في نشرات الأخبار ومنشورات المنصات الإلكترونية.

فيديو