لا نصر بجبهةٍ متآكلة.. حين تهزم الأزمات الداخلية رهانات الحسم قبل أن تصل المعركة إلى الحوثيين

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب| خاص.     

في خضم المشهد اليمني المعقد، تتزايد القناعة بأن معركة الحسم ضد المشروع الحوثي لا يمكن أن تُدار بمنطق القرارات المنعزلة أو التعيينات المتعاقبة، ولا يمكن أن تُحسم بمجرد إعادة ترتيب المواقع وتدوير الأسماء داخل المؤسسات، لأن الانتصارات الكبرى لا تُصنع بقرارات فوقية منفصلة عن الواقع، ولا تُهدى عبر مراسيم إدارية، بل تولد من إرادة متماسكة، وجبهة داخلية صلبة، ومشروع سياسي واضح، وثقة متبادلة بين القيادة والقوى التي يفترض أن تخوض معركة واحدة ضد خطر واحد.
فالنصر لا يصنعه القرار المنعزل، ولا تهبه التعيينات، ولا تصنعه البيانات المليئة بالشعارات، بل تصنعه إرادة جماعية قادرة على الصمود، ومؤسسات تعمل، وجنود يتلقون مرتباتهم بانتظام، ومواطن يشعر أن تضحياته لا تذهب سدى، وأن المعركة التي يُطلب منه تحمل أعبائها ليست غطاءً للفوضى أو الفساد أو المحاصصة، بل طريقاً نحو دولة تحفظ كرامته وتصون حقوقه وتوفر له الحد الأدنى من مقومات الحياة.
إن الرهان على حسم المعركة ضد المشروع الحوثي، في ظل استمرار تآكل الجبهة الداخلية، يشبه محاولة خوض معركة طويلة بجيشٍ يواجه خصمه من الأمام بينما تنهش الأزمات ظهره من الخلف. فكيف يمكن بناء جبهة قادرة على التقدم، فيما المواطن يواجه غلاءً قاتلاً يلتهم دخله المحدود، والخدمات تتراجع، والكهرباء والمياه تعانيان من أزمات متكررة، والمرتبات تتأخر أو تنقطع، والفساد يتسع، فيما تتعمق حالة الإحباط الشعبي يوماً بعد آخر؟
إن الجبهات العسكرية لا تنفصل عن الجبهات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالجندي الذي يقاتل يحتاج إلى راتب منتظم، والأسرة التي تنتظر عودة ابنها من الجبهة تحتاج إلى الشعور بالأمان، والمواطن الذي يتحمل أعباء الحرب يحتاج إلى أن يرى عدالة في توزيع الموارد، ووضوحاً في إدارة الدولة، وإرادة حقيقية لمواجهة الفساد. أما حين تتحول المعاناة إلى واقع دائم، ويصبح الفقر والغلاء وانهيار الخدمات جزءاً من الحياة اليومية، فإن ذلك لا يضعف المواطن وحده، بل يضعف قدرة أي مشروع سياسي وعسكري على تحقيق أهدافه.
الأخطر من ذلك أن التشظي بدأ يتسرب إلى أوردة القوى المناهضة للانقلابيين، في وقت تحتاج فيه هذه القوى إلى أعلى درجات التنسيق والتماسك. فالمعركة لا يمكن أن تُدار بعقلية الإقصاء، ولا بمنطق توزيع النفوذ، ولا عبر صناعة الخصومات داخل الصف الواحد، لأن الانقسام الداخلي هو أكثر ما يراهن عليه الخصم. وكلما اتسعت الفجوة بين القوى المناهضة للحوثيين، اتسعت مساحة المناورة أمام المشروع الحوثي، الذي يراقب الخلافات، ويستثمر الأزمات، ويحوّل التناقضات السياسية إلى مكاسب ميدانية.
ومن هنا، فإن أي حديث عن الحسم العسكري لا بد أن يسبقه حديث صريح عن إعادة بناء الجبهة الداخلية. فالمعركة الحقيقية لا تبدأ من خطوط التماس وحدها، بل تبدأ من قدرة القوى المناهضة للانقلاب على بناء نموذج مختلف في الإدارة، والخدمات، والشفافية، والعدالة، واحترام التضحيات. إذ لا يمكن إقناع الناس بالصبر على الحرب بينما يرون ثرواتهم تهدر، وحقوقهم تضيع، وأوضاعهم المعيشية تتدهور، فيما تتحول المناصب إلى أدوات للمحاصصة والمكافآت السياسية.
لقد أثبتت التجارب أن الجيوش لا تنتصر بالسلاح وحده، وأن القوى السياسية لا تحقق أهدافها بالقرارات المنفردة. النصر يحتاج إلى إرادة سياسية متماسكة، وإلى قرار يحظى بالدعم، وإلى قيادة تدرك أن قوة الجبهة لا تقاس بعدد القرارات الصادرة، بل بقدرتها على توحيد الصفوف وتحقيق الحد الأدنى من الثقة بين مختلف القوى والمكونات.
كما أن التعيينات، مهما كانت ضرورية في إطار إصلاح مؤسسات الدولة، لا يمكن أن تكون بديلاً عن بناء المؤسسات نفسها. فالمشكلة ليست دائماً في الأسماء، بل في غياب الرؤية، وضعف الأداء، وتضارب الصلاحيات، وغياب المحاسبة. وقد يكون تغيير الأشخاص مفيداً عندما يأتي ضمن مشروع إصلاحي شامل، لكنه يتحول إلى مجرد تدوير للأزمة عندما يتم بمعزل عن إصلاح منظومة الإدارة والاقتصاد والخدمات.
إن معركة مواجهة المشروع الحوثي تحتاج إلى أكثر من خطاب سياسي؛ تحتاج إلى إعادة تعريف الأولويات. فحين يكون المواطن غارقاً في أزمة المعيشة، والجندي ينتظر راتبه، والموظف عاجزاً عن مواجهة الأسعار، والمريض يبحث عن علاج، فإن أي مشروع وطني لا يضع هذه القضايا في مقدمة اهتمامه سيظل عاجزاً عن بناء الحاضنة الشعبية المطلوبة.
ولا يمكن لأي قوة سياسية أو عسكرية أن تطلب من الناس تقديم المزيد من التضحيات دون أن تقدم لهم في المقابل أملاً حقيقياً. فالأمل ليس شعاراً، بل نتيجة لسياسات ملموسة؛ انتظام المرتبات، تحسين الخدمات، مواجهة الفساد، حماية الموارد، دعم المؤسسات، وتوحيد القرار السياسي والعسكري ضمن رؤية واضحة لا تتغير بتغير المصالح والضغوط.
إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في قوة الخصم، بل في ضعف الصف المقابل. فحين تتعدد مراكز القرار، وتتضارب التوجهات، وتتحول الخلافات السياسية إلى صراعات مفتوحة، يصبح الانقلابيون أمام فرصة ذهبية لإعادة ترتيب أوراقهم واستثمار كل ثغرة في الجبهة المناهضة لهم. ولذلك فإن المعركة تتطلب شجاعة سياسية تعترف بأن الانقسام الداخلي أصبح واحداً من أخطر التحديات التي تواجه مشروع استعادة الدولة.
الحسم الحقيقي لا يبدأ عندما تصدر الأوامر، بل عندما تتوافر شروط النجاح. ولا يمكن تحقيق النصر بقرارات معزولة عن الواقع، أو بتعيينات لا تستند إلى مشروع، أو بتجاهل للأزمات التي أنهكت المجتمع. فالنصر يحتاج إلى جبهة سياسية متماسكة، وقوة عسكرية منظمة، واقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات تخضع للمساءلة، وشعب يشعر أن المعركة التي يخوضها هي معركته وأن نتائجها ستقوده إلى مستقبل أفضل.
لقد آن الأوان للخروج من دائرة إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، ومن سياسة ردود الأفعال إلى بناء استراتيجية وطنية واضحة. فالمشروع الحوثي لا يُواجه فقط في الجبهات، بل يُواجه أيضاً ببناء نموذج نقيض قادر على استعادة ثقة الناس، وتوحيد القوى، وإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها.
وفي نهاية المطاف، فإن النصر لا يصنعه القرار المنعزل، ولا تهبه التعيينات، ولا تحققه المناورات السياسية العابرة. النصر تصنعه إرادة متماسكة تعرف هدفها، وجبهة داخلية لا تنهار تحت ضغط الغلاء والفساد، ومؤسسات تحمي حقوق الناس، وقوى سياسية تدرك أن الخلافات مهما كانت عميقة لا ينبغي أن تتحول إلى خنادق جديدة داخل معسكر مواجهة الانقلاب.
فإذا كانت المعركة ضد المشروع الحوثي معركة استعادة دولة، فإن أول شروط الانتصار فيها هو أن يشعر المواطن بأن هناك دولة تستحق أن تُستعاد، وأن يرى الجندي أن تضحياته مقدّرة، وأن تدرك القوى السياسية أن وحدتها ليست ترفاً، بل شرطاً من شروط البقاء والانتصار. أما استمرار التآكل الداخلي، فإنه قد يجعل أي حديث عن الحسم مجرد شعار مؤجل، لأن الجبهة التي تنهار من الداخل لا تستطيع أن تنتصر في الخارج، مهما امتلكت من السلاح والقرارات والوعود

فيديو