صمت الزُبيدي الذي حيّر المنطقة والإقليم.. حكمة القائد حين يصبح الصمت أقوى من ألف خطاب

تقارير - منذ 3 ساعات

عدن، عين الجنوب || خاص        

في زمنٍ سياسي مضطرب، تتسابق فيه التصريحات، وتتزاحم فيه البيانات، وتُطلق فيه المواقف قبل أن تنضج الأحداث، يختار الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي طريقاً مختلفاً؛ طريق الصمت الهادئ، والتأني المحسوب، ومراقبة المشهد من موقع القائد الذي لا يستعجل كشف أوراقه، ولا يسمح للآخرين بأن يفرضوا عليه توقيت قراراته.

ذلك الصمت الذي حيّر المنطقة وأربك حسابات الإقليم، لم يعد يُقرأ باعتباره غياباً أو تراجعاً، بل بات يحمل دلالات سياسية عميقة، ويعكس قدراً كبيراً من الحكمة والحنكة وبعد النظر. فالقائد الحكيم لا يتحدث لمجرد الحديث، ولا يرد على كل استفزاز، ولا يكشف كل ما لديه في لحظة قد تكون فيها الكلمة الواحدة أكثر كلفة من أي قرار.

لقد اعتادت القوى السياسية في المنطقة على ردود الأفعال السريعة، وعلى التصريحات المتلاحقة التي تكشف النوايا قبل اكتمال المشهد. أما الزُبيدي، فيبدو أنه اختار أن يمنح الأحداث وقتها، وأن يراقب تحركات الجميع، ويترك الوقائع تكشف ما تخفيه الكلمات. وفي السياسة، ليست الحكمة دائماً في أن تقول كل ما تعرف، بل في أن تعرف متى تتحدث، ومتى تصمت، ومتى تجعل الآخرين يتحدثون نيابة عنك.

وهنا تكمن قوة صمت الزُبيدي. فهو ليس صمتاً نابعاً من التردد، ولا صمتاً يعكس غياب الرؤية، بل صمت قائد يدرك أن المرحلة شديدة الحساسية، وأن الجنوب يمر بمنعطف تاريخي لا يحتمل القرارات الانفعالية أو المواقف المتسرعة. ولذلك، فإن التريث قد يكون في كثير من الأحيان أكثر شجاعة من الاندفاع، وأكثر حكمة من الردود السريعة.

لقد جعل هذا الصمت كثيراً من الأطراف في حالة ترقب وانتظار. فبدلاً من أن يكون الموقف الجنوبي مكشوفاً أمام الجميع، أصبح كل طرف يحاول قراءة ما وراء الصمت، والبحث عن الرسالة التي يحملها، والتكهن بالخطوة المقبلة. وهذه بحد ذاتها واحدة من أدوات السياسة الناجحة؛ أن تجعل الآخرين ينتظرون قرارك بدلاً من أن تنتظر أنت ما سيقرره الآخرون.

إن الزُبيدي، من خلال هذا النهج، يثبت أن القيادة ليست بكثرة الكلام، ولا بكثرة الظهور، ولا بإطلاق التصريحات في كل مناسبة. القيادة الحقيقية هي القدرة على ضبط النفس، وامتلاك القرار، والانتظار حتى تأتي اللحظة التي يصبح فيها الموقف أكثر وضوحاً، والقرار أكثر قوة، والرسالة أكثر تأثيراً.

وفي ظل المشهد الإقليمي المعقد، حيث تتداخل المصالح وتتغير التحالفات وتُعاد صياغة الحسابات، فإن التسرع قد يكون خطأً استراتيجياً، بينما يكون الصمت المدروس مساحة لإعادة ترتيب الأوراق. ولذلك فإن صمت الزُبيدي يبدو أقرب إلى الهدوء الذي يسبق القرار، لا إلى التراجع عن الموقف، وإلى الحكمة التي تسبق الحسم، لا إلى العجز عن المواجهة.

لقد أثبتت التجارب أن القائد الذي يرد على كل كلمة، ويتفاعل مع كل استفزاز، ويكشف أوراقه في كل محطة، يمنح خصومه فرصة قراءة خطواته قبل أن يقدم عليها. أما القائد الذي يعرف متى يصمت، ومتى يراقب، ومتى يترك الأحداث تكشف نفسها، فإنه يحافظ على مساحة واسعة للمناورة، ويمنح قراراته القادمة قيمة وتأثيراً أكبر.

ومن هنا، فإن صمت الزُبيدي يحمل رسالة واضحة إلى مختلف الأطراف: الجنوب ليس في عجلة من أمره، وقيادته لا تتحرك تحت ضغط اللحظة، ولا تُدار بردود الأفعال. فالقضايا الكبرى لا تُحسم بالصراخ، والحقوق الوطنية لا تُنتزع بكثرة التصريحات، بل بالصبر، والثبات، والوعي، وحسن إدارة المراحل.

كما أن هذا الصمت يعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة المرحلة. فالجنوب اليوم ليس هو الجنوب الذي كان قبل سنوات. لقد تراكمت التجارب، واتضحت الكثير من الحقائق، وأصبح الشارع الجنوبي أكثر وعياً بما يدور حوله، وأكثر إدراكاً لحجم المشاريع التي تستهدف قضيته، أو تحاول الالتفاف على إرادته، أو إعادة إنتاج الوصاية عليه تحت عناوين مختلفة.

ولهذا، فإن الحكمة تقتضي عدم الانجرار إلى كل معركة، وعدم الرد على كل استفزاز، وعدم السماح للآخرين بتحديد جدول الأعمال. فالقائد الذي يملك مشروعاً واضحاً لا يحتاج إلى أن يشرح نفسه كل يوم، ولا يحتاج إلى أن يبرر كل خطوة قبل حدوثها. يكفيه أن يحافظ على ثباته، وأن يترك الزمن يثبت صحة خياراته.

ولعل أكثر ما يربك خصوم الجنوب اليوم هو أنهم لا يعرفون ما الذي يفكر فيه الزُبيدي، ولا متى سيتحدث، ولا ما طبيعة الخطوة المقبلة. وهذا الغموض السياسي ليس ضعفاً، بل قد يكون جزءاً من قوة الموقف، خصوصاً عندما يأتي في مرحلة تتغير فيها المعادلات، وتتبدل فيها المواقف، وتُعاد فيها صياغة التحالفات.

إن صمت الزُبيدي لا يعني أن الجنوب غائب عن المشهد، بل ربما يعني العكس تماماً. فحين يصمت القائد، قد تتحدث الأرض، ويتحدث الشارع، وتتحدث التضحيات، ويتحدث التاريخ. وتتحدث القرارات الصامته التي تخص مستقبل الجنوب والجنوب الذي قدّم الكثير من التضحيات، ووقف في أصعب المراحل، لم يعد بحاجة إلى إثبات وجوده في كل تصريح، لأنه أصبح رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة سياسية أو أمنية أو إقليمية.

ومن هنا، فإن صمت الزُبيدي قد يكون رسالة احترام لإرادة الشعب الجنوبي، ورسالة ثقة بوعي الشارع، ورسالة إلى الجميع بأن القيادة لا تحتاج إلى مصادرة صوت الناس أو التحدث نيابة عنهم في كل لحظة. فحين تكون الإرادة الشعبية حاضرة، وحين يكون الموقف الوطني ثابتاً، يصبح الهدوء أحياناً أكثر تعبيراً من الخطب الطويلة.

لقد اعتاد البعض على أن تكون السياسة قائمة على كثرة الوعود، وتعدد المبادرات، وتكرار العبارات ذاتها، لكن الزُبيدي يبدو أكثر إدراكاً بأن الجنوب لم يعد يريد المزيد من الكلام، بل يريد أفعالاً ونتائج ومواقف واضحة. ولذلك فإن الصمت في هذه المرحلة قد يكون أبلغ من إطلاق وعود جديدة، وأصدق من تكرار مواقف غير مقنعه إن الحكمة السياسية لا تُقاس بعدد الكلمات التي تُقال، بل بقدرة القائد على اختيار الكلمة المناسبة في الوقت المناسب. وقد يكون الزُبيدي، من خلال صمته، قد اختار أن يحتفظ بالكلمة حتى تكتمل الصورة، وحتى تتضح المواقف، وحتى يصبح الكلام نفسه جزءاً من قرار أكبر، لا مجرد رد فعل على حدث عابر.

وفي منطقة تتغير فيها المواقف بسرعة، وتتحول فيها التحالفات من يوم إلى آخر، يبدو أن الصمت يمنح القيادة فرصة ثمينة لقراءة المشهد بعيداً عن الضجيج. فالقرار الذي يُتخذ تحت ضغط اللحظة قد يحقق انتصاراً إعلامياً مؤقتاً، لكنه قد يخسر المعركة الأكبر. أما القرار الذي يأتي بعد دراسة وتأمل، فقد يكون أكثر قدرة على الصمود أمام المتغيرات.

ولهذا، فإن صمت الزُبيدي ليس صمتاً فارغاً، بل صمت مليء بالرسائل. صمت يقول إن الجنوب لا يتحرك بعشوائية، ولا يندفع خلف الاستفزازات، ولا يسمح لأحد بأن يحدد له توقيت خطواته. صمت يؤكد أن الهدوء لا يعني الاستسلام، وأن التأني لا يعني التراجع، وأن الحكمة لا تعني الضعف.

وربما تكون الرسالة الأهم التي يحملها هذا الصمت أن المرحلة المقبلة لن تكون نسخة من المراحل السابقة. فالجنوب الذي خاض سنوات طويلة من النضال، وقدم التضحيات، وواجه التحديات، أصبح أكثر تمسكاً بحقه في أن يكون صاحب القرار في أرضه ومستقبله. وأي ترتيبات تتجاهل هذه الحقيقة لن تكون قادرة على إنتاج استقرار دائم أو حلول قابلة للحياة.

لقد حيّر صمت الزُبيدي المنطقة والإقليم، لأن الجميع بات يدرك أن وراء هذا الصمت قيادة لا تتصرف بانفعال، ولا تكشف جميع أوراقها، ولا تسمح بأن تُجر إلى معارك يحدد الآخرون توقيتها. وفي عالم السياسة، قد يكون هذا النوع من الصمت أكثر إزعاجاً للخصوم من التصريحات الصاخبة، لأن التصريح يمكن الرد عليه، أما الصمت المدروس فيترك الباب مفتوحاً أمام احتمالات كثيرة.

إن صمت الزُبيدي هو صمت القائد الذي يعرف أن بعض المعارك تُربح بالصبر، وأن بعض القرارات تحتاج إلى وقتها، وأن بعض الكلمات يجب أن تُقال عندما يصبح وقعها أقوى وتأثيرها أعمق. ولذلك، فإن ما يراه البعض غياباً قد يكون في الحقيقة حضوراً من نوع مختلف؛ حضوراً هادئاً، لكنه حاضر في صلب المشهد، يراقب، ويقرأ، ويحسب، وينتظر اللحظة المناسبة.

وفي نهاية المطاف، فإن صمت الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي قد يكون أحد أكثر مواقفه تعبيراً عن الحكمة السياسية. فليس كل قائد قادراً على الصمت عندما تتصاعد الضغوط، وليس كل سياسي يستطيع أن يقاوم إغراء الرد السريع. أما أن تملك القدرة على الانتظار، وأن تترك الآخرين يكشفون أوراقهم، وأن تحافظ على ثباتك وسط عاصفة من التكهنات، فذلك لون من ألوان القيادة التي لا يتقنها إلا من يملك رؤية بعيدة وثقة بالمشروع الذي يقوده.

إن صمت الزُبيدي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره فراغاً سياسياً، بل باعتباره مساحة قوة، وهدوءاً استراتيجياً، وحكمة في إدارة مرحلة شديدة التعقيد. وربما حين يحين الوقت، سيتضح للجميع أن الكلمات التي غابت طويلاً لم تكن غائبة عن المشهد، بل كانت تُصاغ في هدوء، وأن الصمت الذي حيّر المنطقة والإقليم لم يكن صمت ضعف، بل صمت قائد يعرف أن بعض القرارات لا تُعلن قبل أن تنضج، وأن بعض الرسائل لا تحتاج إلى كلمات كثيرة كي تُسمع.

فالجنوب حاضر، وقضيته حاضرة، وإرادته حاضرة، وصمت قيادته ليس غياباً عن المعركة، بل قد يكون جزءاً من إدارتها. وبينما ينشغل الآخرون بفك شيفرات هذا الصمت، يواصل الزُبيدي، بهدوء وثبات، إدارة واحدة من أكثر المراحل حساسية، مؤمناً بأن الحكمة في السياسة ليست أن تقول كل شيء، بل أن تعرف متى تقول الشيء الذي يصعب على الجميع تجاهله.

فيديو