ثروات الجنوب المهدرة بين فنادق الرياض وملاهي أنقرة.. وطنٌ يُنهب وشعبٌ يُترك لمواجهة الفقر والأزمات

تقارير - منذ 3 ساعات

عدن || عين الجنوب ||خاص
في الوقت الذي يواجه فيه أبناء الجنوب أزمات متفاقمة في الكهرباء والخدمات والرواتب وارتفاع الأسعار، تتواصل معاناة المواطن الجنوبي وسط واقع اقتصادي خانق، تتبدد فيه الثروات والإيرادات بعيدًا عن احتياجات الناس، وكأن مقدرات وطن بأكمله تحولت إلى غنيمة مفتوحة تتقاذفها مراكز النفوذ، وتُدار عائداتها خارج إرادة الشعب ومؤسساته الوطنية.
لم يعد السؤال المطروح اليوم متعلقًا بحجم الثروات التي يمتلكها الجنوب، ولا بما إذا كانت أراضيه غنية بالموارد الطبيعية والموانئ والمنافذ والمواقع الاستراتيجية، فهذه حقيقة يعرفها الجميع، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: أين تذهب هذه الثروات؟ ولماذا يعيش أبناء الجنوب في أزمات متواصلة، بينما تُنفق الأموال والإيرادات في عواصم خارجية، وتتحول مقدرات البلاد إلى وقود لحياة مترفة لا علاقة لها بمعاناة المواطن؟
فبين فنادق الرياض، حيث تُعقد الاجتماعات وتُرسم خرائط النفوذ وتُدار الملفات السياسية بعيدًا عن الشارع الجنوبي، وملاهي أنقرة وغيرها من العواصم التي أصبحت مقصدًا لبعض المتنفذين، تتسع الفجوة بين واقع شعب يرزح تحت وطأة الفقر وانهيار الخدمات، وبين واقع طبقة سياسية تعيش خارج حدود المعاناة، وتنفق من الأموال التي يفترض أن تكون مخصصة لتحسين حياة المواطنين وبناء مؤسسات الدولة وتطوير البنية التحتية.
إن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في نهب الثروات، بل في تحويل الجنوب إلى مساحة مفتوحة للاستنزاف الاقتصادي والسياسي، بحيث تُستخرج موارده وتُدار إيراداته وتُستخدم مقدراته، بينما يُترك أبناؤه في مواجهة البطالة والفقر وانقطاع الكهرباء وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية. وكأن المواطن الجنوبي لا يملك الحق في معرفة أين تذهب عائدات أرضه، ولا يملك الحق في أن يرى أثر ثرواته في حياته اليومية.
لقد بات واضحًا أن استمرار هذا الوضع لم يعد مجرد نتيجة لفشل إداري عابر، بل أصبح، في نظر كثير من أبناء الجنوب، جزءًا من منظومة أوسع تقوم على إبقاء الجنوب ضعيفًا اقتصاديًا، ومثقلًا بالأزمات، ومحرومًا من الاستفادة الحقيقية من موارده. فكلما امتلك الجنوب مقومات النهوض، ظهرت مشاريع جديدة لإبقائه في دائرة الفوضى والتبعية، وكلما ارتفعت أصوات المطالبة بالشفافية والسيادة على الموارد، تحركت أدوات النفوذ لإعادة إنتاج الواقع نفسه.
ولا يمكن لشعب يمتلك الثروات والموانئ والمنافذ والموقع الجغرافي الاستراتيجي أن يبقى رهينة للأزمات. فالجنوب ليس فقيرًا، وإنما جرى إفقاره، وليس عاجزًا عن بناء مؤسساته، وإنما جرى تعطيل قدرته على إدارة موارده، وليس بلا إمكانات، بل إن إمكاناته ظلت لسنوات طويلة عرضة للنهب والاستنزاف والتوظيف السياسي.
والمفارقة المؤلمة أن المواطن الذي يقف ساعات طويلة بحثًا عن خدمة كهرباء مستقرة، أو ينتظر راتبه المتأخر، أو يعجز عن شراء احتياجات أسرته الأساسية بسبب الغلاء، يرى في المقابل مظاهر الإنفاق الباذخ والسفر والإقامة في أفخم الفنادق، بينما تتحدث القوى السياسية عن الأزمات الاقتصادية وكأنها قدر محتوم لا علاقة لأحد به. وهنا تتجدد الأسئلة: من المسؤول عن هذه الفوضى؟ ومن يملك القرار في إدارة الإيرادات؟ ومن يراقب أوجه الإنفاق؟ ولماذا لا تقدم الجهات المعنية كشفًا واضحًا وشفافًا عن موارد الجنوب وإيراداته وأوجه صرفها؟
إن الثروات الوطنية ليست ملكًا للأفراد ولا للأحزاب ولا لمراكز النفوذ، بل هي حق للشعب، ويجب أن تعود عائداتها إلى المواطن عبر الخدمات والتنمية وتحسين مستوى المعيشة. وأي محاولة لإخفاء مسارات الإيرادات أو تبديدها خارج الأطر القانونية والمؤسسية تمثل اعتداءً على حقوق الأجيال، وتكريسًا لاقتصاد الفساد الذي جعل الوطن يدفع ثمن صراعات لا تنتهي.
لقد حان الوقت لأن يتحول ملف الثروات الجنوبية من قضية هامشية إلى قضية وطنية كبرى، وأن تصبح الشفافية والمساءلة وإدارة الموارد في مقدمة أولويات أي مشروع سياسي قادم. فلا يمكن بناء مستقبل مستقر في ظل اقتصاد غامض، ولا يمكن الحديث عن شراكة عادلة بينما تُدار موارد الجنوب بعيدًا عن أبنائه، ولا يمكن مطالبة المواطن بالصبر والتضحية بينما يرى ثروات وطنه تُهدر، وقراراته تُتخذ خارج أرضه، ومستقبله يُرسم في غرف مغلقة.
إن الجنوب الذي دفع ثمنًا باهظًا من الدماء والتضحيات، لا يستحق أن يكون مجرد مصدر للثروات وميدانًا للصراعات وساحة لتجارب النفوذ. أبناؤه يستحقون أن يروا ثرواتهم في مدارسهم ومستشفياتهم وطرقاتهم وكهربائهم ومؤسساتهم، لا أن تتحول إلى أرقام مجهولة ومسارات غامضة، بينما يعيش المواطن على وعود لا تنتهي.
وفي النهاية، فإن معركة الجنوب الحقيقية ليست فقط مع الفقر أو انقطاع الكهرباء أو انهيار الخدمات، بل مع منظومة كاملة من التبعية والفساد وسوء الإدارة واستنزاف الموارد. ومع استمرار هذا الواقع، سيبقى السؤال حاضرًا بقوة: كيف يمكن لجنوب غني بثرواته أن يعيش فقيرًا، بينما تُفتح أبواب الفنادق والمنتجعات أمام من يملكون القرار والمال؟
إن ثروات الجنوب يجب أن تعود إلى الجنوب، وإيراداته يجب أن تُدار بشفافية، وموارده يجب أن تتحول إلى مشاريع تنموية وخدمات حقيقية، لا إلى امتيازات خاصة ومصالح ضيقة. فالشعوب قد تصبر على الأزمات، لكنها لا تنسى من بدد ثرواتها، ولا تقبل إلى ما لا نهاية أن يتحول وطنها إلى خزينة مفتوحة، بينما يعيش أبناؤه على هامش الفقر والحرمان.

فيديو