النفط يعود إلى الواجهة.. هل تنقذ عائداته الوطن أم تبتلعها دوامة الإنفاق العشوائي وانهيار الخدمات؟

تقارير - منذ 3 ساعات

عدن || عين الجنوب || خاص :
مع عودة الحديث عن استئناف تصدير النفط المحلي ، يعود واحد من أكثر الملفات حساسية إلى واجهة المشهد الاقتصادي والسياسي، ليس باعتباره مجرد مورد مالي يمكن أن يرفد خزينة الدولة، بل بوصفه اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على إدارة الثروة العامة في بلد أنهكته الحرب، وأثقلته الأزمات، وتراجعت فيه الخدمات إلى مستويات غير مسبوقة.
فاستئناف تصدير النفط، إن تحقق بصورة منتظمة، قد يوفر متنفساً مالياً مهماً للاقتصاد لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً من سؤال التصدير نفسه: أين ستذهب هذه العائدات؟ وهل ستتحول إلى رواتب وخدمات ومشاريع تنموية، أم ستضاف إلى موارد أخرى أهدرتها سياسات الإنفاق العشوائي وسوء الإدارة والفساد؟
خلال السنوات الماضية، عاش اليمن واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية، في وقت استمرت فيه مؤسسات الدولة في الإنفاق دون أن يلمس المواطن أثراً حقيقياً لذلك الإنفاق على حياته اليومية. فالكهرباء تتراجع، والمياه تعاني، والطرقات متهالكة، والرواتب متوقفة أو غير منتظمة، والخدمات الصحية والتعليمية تواجه أزمات متراكمة، بينما تتسع دائرة الفقر وتتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو عودة النفط أشبه بفرصة جديدة قد تتحول إلى كارثة جديدة إذا لم ترافقها إصلاحات حقيقية في إدارة المال العام. فالمشكلة لم تكن في غياب الموارد فقط، بل في الطريقة التي أُديرت بها الموارد حين كانت متاحة، وفي غياب الشفافية والرقابة والمحاسبة، وتحول الإنفاق الحكومي في كثير من الأحيان إلى أبواب مفتوحة لا يعرف المواطن أين تنتهي أموالها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن ضخ الأموال وحده لا يكفي لإنقاذ الاقتصاد، وأن أي عائدات جديدة يمكن أن تتبخر سريعاً إذا استمرت الحكومة في الإنفاق غير المنضبط، وتوسيع النفقات غير الضرورية، وإدارة مؤسسات الدولة بعقلية مؤقتة لا تضع بناء الاقتصاد وتحسين الخدمات في مقدمة الأولويات.
فما قيمة مليارات الدولارات إذا بقي المواطن في عدن وحضرموت وشبوة وأبين وسائر المحافظات يعاني انقطاع الكهرباء، وارتفاع أسعار الوقود، وتدهور الخدمات الصحية، وانهيار العملة، وتراجع مستوى المعيشة؟ وما جدوى تصدير النفط إذا كانت عائداته لا تنعكس على حياة الناس، ولا تتحول إلى رواتب منتظمة، ولا إلى مشاريع بنية تحتية، ولا إلى دعم حقيقي للاقتصاد المحلي؟
إن استئناف تصدير النفط يجب ألا يكون مجرد عملية مالية لرفد خزينة الحكومة، بل ينبغي أن يمثل بداية لإعادة بناء منظومة اقتصادية كاملة. فالنفط الخام الذي يغادر البلاد ثم تعود الدولة لاستيراد المشتقات النفطية بأسعار مرتفعة، يمثل نموذجاً صارخاً على الخلل في إدارة الموارد. وكان الأجدى أن تتجه السياسات الاقتصادية إلى إعادة تشغيل مصافي عدن، وتطوير قدرات التكرير في المناطق المنتجة، وتوفير احتياجات السوق المحلية قبل تصدير الفائض، بما يخفف فاتورة الاستيراد ويوفر فرص عمل ويمنح الاقتصاد قيمة مضافة حقيقية.
غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في ضعف الإنتاج وحده، بل في غياب الضمانات التي تمنع تكرار تجربة السنوات الماضية. فالمواطن لا يحتاج إلى وعود جديدة بقدر حاجته إلى آلية واضحة وشفافة لمعرفة حجم الإيرادات النفطية، والجهة التي تديرها، وأوجه إنفاقها، والنتائج التي تحققت منها.
إن عائدات النفط يجب أن تكون تحت رقابة حقيقية، وأن تُخصص وفق أولويات معلنة، تبدأ بصرف الرواتب، وتحسين الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، ودعم العملة المحلية، وتمويل المشاريع الإنتاجية، بعيداً عن الإنفاق السياسي والإداري المبالغ فيه، والموازنات غير الواضحة، والمصروفات التي لا تقدم للمواطن سوى مزيد من الأعباء.
كما أن استمرار سياسة الإنفاق العشوائي في ظل انهيار الخدمات لم يعد أمراً يمكن تبريره. فالدولة التي تعجز عن توفير الكهرباء لساعات طويلة، أو دفع رواتب الموظفين بانتظام، أو إصلاح شبكة الطرق، أو دعم المستشفيات، لا يمكنها أن تطلب من المواطن الصبر إلى ما لا نهاية، بينما تستمر النفقات الحكومية في مسارات لا تبدو مرتبطة بالاحتياجات الأساسية للمجتمع.
لقد أصبح المواطن يرى مفارقة مؤلمة: ثروات تُستخرج من أرضه، وموانئ ومنافذ وموارد تتحرك حوله، لكن حياته اليومية تزداد صعوبة. وفي المقابل، تتسع الفجوة بين ما يقال عن الإيرادات وما يراه الناس على أرض الواقع. وهذه الفجوة هي التي صنعت حالة واسعة من فقدان الثقة، وجعلت أي حديث عن موارد جديدة يثير المخاوف قبل الآمال.
ولذلك فإن استئناف تصدير النفط لا ينبغي أن يكون فرصة جديدة لتجديد أساليب الإنفاق القديمة، بل يجب أن يكون نقطة تحول حقيقية. فالبلد. بحاجة إلى إدارة اقتصادية مختلفة، تقوم على تقليص النفقات غير الضرورية، وإيقاف الهدر، وتوحيد قنوات الإيرادات، وتعزيز الرقابة، وربط الإنفاق بالنتائج، وإعطاء الأولوية للمواطن والخدمات.
إن الثروة النفطية ليست ملكاً لحكومة أو مسؤول أو حزب أو جماعة، بل هي ملك للشعب ، ومن حق هذا الشعب أن يعرف أين تذهب عائداتها وكيف تُنفق. كما أن أي عائدات نفطية جديدة لا تعالج أزمة الرواتب، ولا تحسن الكهرباء، ولا تخفف معاناة المواطنين، ولا توقف انهيار العملة، ستظل مجرد أرقام في البيانات الرسمية لا قيمة حقيقية لها في حياة الناس.
ومع عودة النفط إلى واجهة المشهد، يقف الوطن أمام اختبار جديد. فإما أن تتحول هذه الثروة إلى بداية لإنقاذ الاقتصاد وإعادة بناء الخدمات، وإما أن تضيع في متاهة الإنفاق العشوائي والفساد وسوء الإدارة، ليجد المواطن نفسه بعد سنوات أمام السؤال ذاته: أين ذهبت الثروة؟ ولماذا بقيت الخدمات منهارة؟
النفط قد يعود إلى التصدير، لكن المعركة الحقيقية تبدأ بعد ذلك. إنها معركة الشفافية، والرقابة، وترشيد الإنفاق، وحماية المال العام. وإذا لم تتغير طريقة إدارة الموارد، فإن استئناف التصدير لن يكون أكثر من عودة مؤقتة للأموال إلى خزائن تعاني من التسرب، بينما يواصل المواطن دفع ثمن الفشل من قوته وخدماته ومستقبل أبنائه.

فيديو