الجنوب وحرب الممرات.. الفراغ الذي خلّفته وقواته القوات الجنوبية يفتح أبواب الصراع على الجغرافيا والثروات

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن || عين الجنوب|| خاص: 
لم تعد المعركة في الجنوب مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين طرفين يتنازعان السيطرة على الأرض، بل تحولت إلى صراع واسع على الممرات والموانئ والمواقع الاستراتيجية، وعلى من يمتلك القدرة على حماية الجغرافيا الجنوبية وإدارة مفاتيحها في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد. وفي قلب هذا المشهد المتشابك، يبرز سؤال كبير يفرض نفسه بقوة: ماذا يحدث عندما يترك الفاعل المحلي فراغاً في مناطق نفوذه، ثم تتحول تلك المساحات إلى ساحات مفتوحة أمام أطراف متعددة، لكل منها حساباته ومصالحه وأجنداته؟
لقد كان الجنوب، بحكم موقعه الجغرافي، ولا يزال، واحداً من أكثر المناطق حساسية في خارطة الصراع الإقليمي. فالموانئ، والسواحل، والجزر، والممرات البحرية، وخطوط التجارة الدولية، ليست مجرد تفاصيل جغرافية عابرة، بل أوراق استراتيجية تملك قيمتها في زمن تتصارع فيه القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ والتحكم بمسارات الطاقة والتجارة والأمن البحري. ومن هنا فإن أي فراغ سياسي أو أمني أو عسكري في الجنوب لا يبقى فراغاً طويلاً، بل سرعان ما تتحرك قوى أخرى لملئه.
وفي الوقت الذي كان فيه الرئيس عيدروس الزُبيدي والقوات الجنوبية يمثلون القوة الأكثر حضوراً وتأثيراً على الأرض في أجزاء واسعة من الجنوب، كان الرهان الشعبي والسياسي يتجه نحو تحويل هذه القوة العسكرية إلى مشروع متكامل لحماية الأرض والقرار والسيادة. غير أن التحدي الأكبر لم يكن في امتلاك القوة وحدها، بل في كيفية إدارة هذه القوة، وتوظيفها في بناء منظومة أمنية وسياسية متماسكة تمنع الآخرين من تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة للصراع على الممرات والموانئ والثروات.
فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها حماية مشروع سياسي إذا لم تكن محاطة برؤية واضحة، ومؤسسات قوية، وإدارة فاعلة، وحضور سياسي ودبلوماسي يوازي الحضور العسكري. وعندما تتقدم البنادق بينما تتراجع السياسة، وتتسع الجغرافيا التي تسيطر عليها القوات دون أن تتوسع معها مؤسسات الدولة والإدارة والخدمات، فإن الفراغ يبدأ في الظهور من الداخل، حتى وإن بقيت الأرض تحت السيطرة العسكرية.
وهنا تكمن خطورة المرحلة الراهنة. فالجنوب لا يواجه خصماً واحداً، ولا مشروعاً واحداً، ولا تهديداً عسكرياً واضح الحدود. بل يواجه شبكة معقدة من المصالح المتقاطعة، بعضها يرتدي لباس الأمن، وبعضها يتحدث باسم مكافحة الإرهاب، وبعضها يرفع شعار مواجهة الحوثيين، بينما يخفي خلف تلك العناوين صراعاً على النفوذ والموانئ والموارد والممرات البحرية. وفي مثل هذه البيئة، فإن أي فراغ سياسي أو أمني يتحول بسرعة إلى فرصة ذهبية أمام القوى الطامعة في إعادة رسم الخريطة وفق مصالحها.
إن حرب الممرات التي تتشكل في المنطقة لا يمكن فصلها عن الجنوب. فالموقع الجنوبي يطل على واحد من أهم المسارات البحرية في العالم، ويمنح من يسيطر على موانئه وسواحله قدرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة والأمن البحري. ولذلك فإن الصراع على الجنوب ليس فقط صراعاً على مدينة أو محافظة أو منفذ، بل صراع على المستقبل الجيوسياسي لمنطقة بأكملها.
والسؤال الذي ينبغي طرحه اليوم هو: هل أدركت القيادة الجنوبية مبكراً أن المعركة القادمة لن تكون بالضرورة معركة دبابات ومدافع، بل معركة نفوذ وممرات وموانئ ومعلومات وتحالفات؟ وهل جرى بناء منظومة سياسية وأمنية قادرة على سد كل الثغرات ومنع تحويل الجنوب إلى مجموعة مناطق نفوذ متنافسة؟
إن ترك بعض المساحات السياسية والإدارية والأمنية بلا إدارة فاعلة، أو الاكتفاء بالوجود العسكري دون بناء مؤسسات حقيقية، قد يؤدي إلى نتائج خطيرة. فالفراغ لا يعني غياب الناس، بل يعني غياب القرار المنظم. وقد تكون المنطقة عامرة بالسكان، لكنها تصبح فارغة من حيث الإدارة والسيادة عندما لا يكون هناك مشروع واضح يدير مواردها، ويحمي حدودها، ويحدد علاقتها بالمركز، ويمنع القوى الخارجية من فرض ترتيباتها الخاصة.
لقد أثبتت التجارب أن القوى الخارجية لا تحتاج دائماً إلى احتلال مباشر حتى تفرض نفوذها. يكفي أحياناً أن تجد فراغاً سياسياً، أو انقساماً داخلياً، أو ضعفاً في الإدارة، أو تناقضاً بين القوى المحلية، حتى تبدأ بتقديم نفسها باعتبارها الطرف القادر على تحقيق الأمن والاستقرار. ومع مرور الوقت يتحول التدخل المؤقت إلى نفوذ دائم، ويتحول النفوذ إلى وصاية، ثم تتحول الوصاية إلى واقع سياسي يصعب تغييره.
وهنا فإن مسؤولية الزُبيدي والقوات الجنوبية لا تتعلق فقط بما حققوه من انتصارات عسكرية، بل بما لم يتم إنجازه بعد. فالقوة التي تحرر الأرض مطالبة أيضاً بحمايتها من الفراغ، والقوة التي تمنع الخصم من التقدم مطالبة كذلك بمنع القوى الأخرى من التمدد تحت عناوين مختلفة. ومن دون ذلك، قد تجد القوات الجنوبية نفسها أمام معادلة معقدة: انتصارات عسكرية على الأرض، مقابل خسارة تدريجية في القرار السياسي والاقتصادي والاستراتيجي.
إن الجنوب بحاجة اليوم إلى إعادة تعريف مفهوم القوة. فالقوة ليست فقط في عدد الألوية، ولا في حجم السلاح، ولا في القدرة على خوض المعارك، بل في القدرة على تحويل الانتصار العسكري القادم إلى استقرار سياسي، وتحويل السيطرة الجغرافية إلى إدارة مؤسسية، وتحويل الموقع الاستراتيجي إلى ورقة سياسية واقتصادية تخدم أبناء الجنوب، لا إلى ساحة تتنافس عليها القوى الإقليمية والدولية.
فالجنوب الذي يمتلك السواحل والموانئ والممرات، ويملك موقعاً جغرافياً لا يقدر بثمن، لا يمكن أن يبقى مجرد ساحة انتظار لما تقرره العواصم الأخرى. ولا يمكن أن تستمر معادلة يتحول فيها الجنوب إلى خط دفاع متقدم عندما تحتاجه القوى الخارجية، وإلى مساحة متروكة عندما تتغير الحسابات. كما لا يمكن أن يظل أبناؤه يدفعون ثمن الحروب، بينما تُرسم خرائط النفوذ والثروة بعيداً عن إرادتهم.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة هو أن يتحول الفراغ إلى سياسة، وأن يصبح غياب القرار أمراً معتاداً، وأن تتعدد القوى داخل الجغرافيا الجنوبية دون وجود مركز سياسي قادر على ضبط الإيقاع وتحديد الأولويات. فكلما تعددت مراكز النفوذ، زادت فرص التدخل الخارجي، وكلما غابت الرؤية الموحدة، أصبح الجنوب أكثر عرضة لأن يتحول إلى رقعة شطرنج تتصارع فوقها مشاريع الآخرين.
ومن هنا فإن المطلوب ليس مجرد رفع الشعارات، ولا الاكتفاء بالبيانات السياسية، ولا انتظار أن تتغير مواقف القوى الإقليمية من تلقاء نفسها. المطلوب هو بناء مشروع جنوبي واضح، يربط بين الأمن والسياسة والاقتصاد والدبلوماسية، ويضع حماية الممرات والموانئ والثروات ضمن رؤية وطنية شاملة، ويمنع أي طرف من استخدام الجنوب كورقة في صراعات لا تخدم مصالحه.
كما أن القوات الجنوبية، بوصفها القوة الأكثر حضوراً في المشهد، مطالبة بأن تكون جزءاً من مشروع بناء الدولة الجنوبية ومؤسساتها، لا مجرد قوة عسكرية تعمل في فراغ سياسي. فالمؤسسة العسكرية القوية تحتاج إلى مشروع سياسي يحميها، والمؤسسة السياسية تحتاج إلى قوة تحميها، والاثنان يحتاجان إلى شعب يشعر بأن الموارد والقرار والأمن والخدمات تعمل من أجله، لا بعيداً عنه.
إن حرب الممرات قد تكون قد بدأت فعلاً، حتى وإن لم تُعلن بصورتها الكاملة. فالصراع على البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب والموانئ الجنوبية يتجاوز حدود اليمن، ويتصل بمصالح دولية وإقليمية ضخمة. وفي مثل هذا الصراع، فإن الجنوب الذي لا يملك قراراً موحداً قد يتحول إلى هدف، والجنوب الذي لا يدير موانئه وسواحله وثرواته بفاعلية قد يجد نفسه أمام واقع تُصنع تفاصيله خارج حدوده.
لقد كان أمام الزُبيدي والقوات الجنوبية فرصة تاريخية لتحويل القوة العسكرية إلى مشروع سيادي متكامل، لكن هذه الفرصة لا تزال قائمة، وإن كانت تضيق مع مرور الوقت. فالمعركة لم تنته، والفراغ يمكن ردمه، والاختلال يمكن تصحيحه، لكن ذلك يتطلب شجاعة سياسية توازي الشجاعة العسكرية، وقراراً واضحاً بإعادة ترتيب البيت الجنوبي، وتحصين الجبهة الداخلية، وإنهاء حالة الانتظار والتردد.
فالجنوب لا يحتاج إلى قوة تقاتل فقط، بل إلى قيادة تدير، ومؤسسات تحمي، ورؤية تفاوض، واقتصاد يصمد، ودبلوماسية تحضر، وشعب يشعر بأن تضحياته تتحول إلى مشروع دولة. أما ترك الفراغ يتسع، فإنه يعني ببساطة أن الآخرين سيملؤونه، وأن حرب الممرات ستتحول من صراع على حماية الجنوب إلى صراع على من يملك الجنوب.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يسيطر على الأرض؟ بل: من يملك القرار؟ ومن يحمي الممرات؟ ومن يدير الموانئ؟ ومن يحدد مستقبل الثروات؟ ومن يمنع الجنوب من أن يكون مجرد ساحة تتصارع فوقها القوى الإقليمية؟
ذلك هو التحدي الأكبر أمام الزُبيدي والقوات الجنوبية اليوم. فالمعركة المقبلة لن تُحسم فقط في الجبهات، بل في غرف السياسة، وعلى خرائط الموانئ، وفي ممرات التجارة، وعلى طاولات التفاوض. ومن لا يملأ فراغه بنفسه، سيجد أن الآخرين قد ملؤوه نيابة عنه، ومن لا يدافع عن قراره بوضوح، سيجد أن القرار قد أصبح بيد من يملك المال والنفوذ والممرات.لذلك فان كل الحلول ستبقى منقوصه مالم تتكلل بعوده القوى الجنوبيه وفي مقدمتها الرىيس القائد عيدروس الزبيدي كقائد حمل الامانه بصدق وقاد المعارك بشجاعه واقتدار حتى تمكن من تحرير كامل التراب الجنوبي

فيديو