الجنوب.. كيف تحوّل من صانعٍ للسلام إلى ساحة تستهدفها مشاريع التطرف؟

الجنوب - منذ 4 ساعات

عدن | عين الجنوب|| خاص. 

بعد ان تمكنت القوات الجنوبية في السابق من دحر التنظيمات الارهابية 
وعلى امتداد عقود طويلة، ظل الجنوب يمثل نموذجاً للتعايش الاجتماعي والاستقرار النسبي مقارنة بالعديد من المناطق التي شهدت صراعات أيديولوجية ومذهبية حادة. فقد عُرف المجتمع الجنوبي بطبيعته المدنية وانفتاحه الاجتماعي وتنوعه الثقافي، الأمر الذي جعله بيئة أكثر ميلاً للسلام والتسامح ورفض الأفكار المتطرفة. غير أن التحولات السياسية والعسكرية التي عصفت بالمنطقة خلال السنوات الأخيرة أوجدت واقعاً مختلفاً فرض تحديات أمنية وفكرية غير مسبوقة، وجعل الجنوب هدفاً لمشاريع تسعى إلى تحويله من مساحة للاستقرار إلى بؤرة للفوضى والتطرف.
ومع اتساع دائرة الصراع وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، برزت جماعات متشددة حاولت استغلال حالة الانهاك الاقتصادي والتراجع المؤسسي لتوسيع نفوذها. هذه الجماعات لم تنشأ من فراغ، بل استفادت من بيئات مضطربة أنتجتها الحروب والصراعات الممتدة، حيث تصبح المناطق التي تعاني من ضعف مؤسسات الدولة أكثر عرضة لاختراق التنظيمات المتشددة التي تتغذى على الأزمات وتستثمر في الفقر والبطالة وانعدام الاستقرار.
ويرى مراقبون أن الجنوب دفع ثمناً باهظاً في مواجهة الإرهاب، إذ خاضت قواته الأمنية والعسكرية معارك طويلة ضد تنظيمات متطرفة حاولت التمركز في عدد من المناطق مستغلة الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد. وقد سقط خلال تلك المواجهات العديد من الضحايا من العسكريين والمدنيين، فيما تعرضت مدن ومناطق مختلفة لسلسلة من الهجمات التي استهدفت الأمن والاستقرار وأرادت بث الرعب وإرباك الحياة العامة.
ورغم النجاحات الأمنية التي تحققت في تقليص نفوذ الجماعات المتشددة، إلا أن خطر التطرف لم ينتهِ بصورة كاملة، إذ تشير تجارب العديد من الدول إلى أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي للقضاء على هذه الظاهرة. فالتطرف لا يعتمد فقط على السلاح، بل يمتلك أدوات فكرية وإعلامية وشبكات تمويل وعلاقات معقدة تستغل الأوضاع المضطربة لإعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة.
كما أن استمرار الأزمات الاقتصادية والخدمية يشكل عاملاً إضافياً يهدد بخلق بيئات قابلة للاختراق. فكلما تراجعت فرص العمل وازدادت معاناة المواطنين، ازدادت قدرة الجماعات المتشددة على استغلال حالة الإحباط واليأس لتسويق خطابها وتجنيد عناصر جديدة، وهو ما يجعل التنمية والاستقرار الاقتصادي جزءاً أساسياً من أي استراتيجية حقيقية لمكافحة التطرف.
وفي الوقت ذاته، يبرز دور المجتمع بمختلف مكوناته في مواجهة هذه التحديات، من خلال تعزيز ثقافة الاعتدال وترسيخ قيم التسامح والانتماء الوطني، إضافة إلى دعم المؤسسات التعليمية والثقافية والدينية التي تسهم في بناء وعي مجتمعي قادر على التصدي للأفكار المتشددة. فالمعركة ضد التطرف ليست معركة أمنية فقط، بل هي معركة وعي وفكر وهوية ومشروع دولة.
ويؤكد متابعون أن الجنوب يمتلك إرثاً اجتماعياً وثقافياً يؤهله لاستعادة دوره كمنطقة داعمة للاستقرار والسلام، شريطة توافر الإرادة السياسية وتعزيز مؤسسات الدولة وتحصين المجتمع من محاولات الاختراق الفكري والأمني. فالرهان الحقيقي لا يكمن فقط في هزيمة الجماعات المتشددة ميدانياً، بل في منع عودتها مستقبلاً عبر بناء نموذج تنموي وسياسي قادر على معالجة جذور الأزمة لا الاكتفاء بمواجهة نتائجها.
وبين صورة الجنوب التي ارتبطت تاريخياً بالتعايش والانفتاح، ومحاولات بعض القوى والتنظيمات جرّه إلى دوامة التطرف والفوضى، تبقى المعركة مفتوحة بين مشروع يسعى إلى ترسيخ الأمن والاستقرار، وآخر يستثمر في الأزمات والصراعات لتحقيق مكاسب على حساب حاضر المجتمع ومستقبله. وبين هذين الخيارين، يظل الحفاظ على السلام وتعزيز مؤسسات الدولة وتحصين المجتمع الطريق الأكثر أمناً لضمان ألا يتحول الجنوب إلى ساحة دائمة للصراعات والتطرف.

فيديو