إيران ومحورها.. من "نصرة فلسطين" إلى إشعال أزمات المنطقة

السياسة - منذ 1 ساعة

 عدن |عين الجنوب                   

بينما يعيش قطاع غزة واحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخه الحديث، مع استمرار عمليات القصف والدمار وسقوط آلاف الضحايا المدنيين، يبرز سؤال بات يتردد على نطاق واسع في الأوساط السياسية والإعلامية: أين اختفى ما يسمى "محور المقاومة" الذي طالما قدّم نفسه باعتباره رأس الحربة في الدفاع عن القضية الفلسطينية؟

ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، تبدو أولويات إيران وأذرعها الإقليمية متجهة نحو ملفات أخرى لا ترتبط مباشرة بوقف الحرب أو حماية المدنيين الفلسطينيين، وإنما نحو إدارة صراعات إقليمية، وخلق أزمات أمنية وعسكرية تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، بما يعيد رسم أجندة الاهتمام الدولي بعيدًا عن المأساة الإنسانية في غزة.

القضية الفلسطينية والاستخدام الاستراتيجي

منذ عقود، تبنت إيران خطابًا يقوم على تقديم نفسها باعتبارها الداعم الأول للقضية الفلسطينية، وجعلت من "المقاومة" عنوانًا ثابتًا في سيااساتها الخارجية، إلا أن مسار الأحداث في المنطقة يكشف، بحسب عدد من المحللين، أن القضية الفلسطينية تحولت تدريجيًا إلى أداة سياسية تستخدمها طهران لتعزيز نفوذها الإقليمي أكثر من كونها هدفًا مستقلاً لسياساتها.

فعندما تقتضي مصالحها التصعيد، تتصدر فلسطين الخطاب الإيراني، وعندما تواجه إيران تحديات تتعلق بأمنها أو نفوذها أو برنامجها النووي أو علاقاتها الإقليمية، تتراجع القضية الفلسطينية إلى مرتبة ثانوية، لتحل محلها أولويات مرتبطة بحماية النفوذ الإيراني وأذرعه العسكرية المنتشرة في عدد من دول المنطقة.

هذا التناقض بدا أكثر وضوحًا مع استمرار الحرب في غزة، إذ لم يواكب الخطاب الإيراني تحرك عملي يوازي حجم الكارثة الإنسانية، بينما تصاعدت في المقابل أنشطة عسكرية وأمنية في مسارح إقليمية أخرى، أسهمت في تحويل الاهتمام الدولي نحو أمن الطاقة والملاحة البحرية والاستقرار الإقليمي.

أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول يتمثل في البحر الأحمر وباب المندب، حيث أعلنت جماعة الحوثي أواخر عام 2023 أن عملياتها البحرية تأتي "نصرة لغزة" و"دعمًا للشعب الفلسطيني". لكن تطور الأحداث أظهر أن استهداف السفن وتهديد الملاحة الدولية تجاوز، في كثير من الأحيان، إطار الارتباط المباشر بالحرب في غزة، ليصبح جزءًا من معادلة ضغط إقليمية أوسع تشمل ملفات تتعلق بإيران وعلاقاتها مع الولايات المتحدة ودول المنطقة.

وقد أدت الهجمات على السفن التجارية إلى اضطراب أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتحويل مسارات التجارة الدولية، وهو ما أكدته تقارير دولية صادرة عن مؤسسات اقتصادية وملاحية متعددة. كما حذرت الأمم المتحدة من أن اضطرابات البحر الأحمر رفعت تكاليف العمليات الإنسانية وأبطأت وصول المساعدات إلى اليمن نفسه.

وبدلاً من أن يبقى التركيز الدولي منصبًا على الجرائم والانتهاكات في غزة، تحولت أجندة العواصم الكبرى إلى تأمين خطوط الملاحة، وحماية السفن، ومواجهة التهديدات في البحر الأحمر.

المضائق كسلاح سياسي

لا يقتصر الأمر على باب المندب، فلطالما لوحت إيران بإمكانية إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه خلال فترات التوتر، باعتباره أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.

وبين هرمز وباب المندب، تبدو المضائق البحرية في الاستراتيجية الإيرانية أدوات ضغط سياسية وأمنية تستخدم لإرسال رسائل إلى المجتمع الدولي، وإعادة ترتيب أولوياته، بحيث تصبح حماية إمدادات النفط والغاز وأمن التجارة العالمية أكثر إلحاحًا من الضغط لوقف الحرب في غزة أو حماية المدنيين الفلسطينيين.

وبهذا المعنى، يرى مراقبون أن الأزمات البحرية لا تعمل فقط كورقة تفاوض، بل تؤدي أيضًا إلى إعادة توجيه الاهتمام السياسي والإعلامي العالمي نحو ملفات الأمن البحريخ والطاقة، وهو ما ينعكس على حجم التركيز الدولي على التطورات داخل الأراضي الفلسطينية.

لا يمكن قراءة التحركات الإيرانية بمعزل عن شبكة النفوذ التي بنتها طهران عبر حلفائها الإقليميين. ففي أكثر من ساحة، من اليمن إلى العراق ولبنان وسوريا، تكررت أنماط التصعيد التي ترافقت مع توترات إقليمية ودولية، بما في ذلك هجمات على منشآت مدنية، واستهداف ممرات بحرية، وعمليات عسكرية تسببت في توسيع رقعة الأزمات.

وفي كل مرة، تتحول الأنظار الدولية إلى احتواء التصعيد الجديد، بينما تتراجع ملفات أخرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى مرتبة أقل في أولويات المجتمع الدولي. ولا يعني ذلك أن هذه الأزمات تلغي الاهتمام بغزة، لكنها تسهم في تشتيت الجهود السياسية والإعلامية والدبلوماسية، وتفرض على القوى الكبرى التعامل مع مجموعة متشابكة من التهديدات الأمنية في وقت واحد.

التناقض بين الخطاب والممارسة

المفارقة التي يبرزها العديد من المحللين تكمن في أن القوى التي ترفع شعار "نصرة فلسطين" لم تنجح في وقف الحرب أو تخفيف معاناة المدنيين الفلسطينيين، بينما أسهمت تحركاتها في فتح جبهات إضافية زادت من تعقيد المشهد الإقليمي. كما أن تصعيد التوتر في البحر الأحمر والخليج العربي أدى إلى استنزاف الجهود الدولية في ملفات أمن الملاحة والطاقة، وهي ملفات أصبحت تحظى بأولوية متقدمة لدى القوى الكبرى مقارنة بالضغط السياسي لإنهاء الحرب في غزة.

وفي المقابل، تواصل الدول العربية جهودها الدبلوماسية والإنسانية للمطالبة بوقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات، والدفع نحو تسوية سياسية للقضية الفلسطينية، في حين تبقى الشعارات المرتبطة بـ"محور المقاومة" محل نقاش واسع بشأن مدى انعكاسها على الواقع الفلسطيني.

وتكشف التطورات الأخيرة أن القضية الفلسطينية لا ينبغي أن تتحول إلى أداة ضمن حسابات النفوذ الإقليمي أو وسيلة لتبرير التصعيد في ممرات الملاحة الدولية. فكل أزمة جديدة في البحر الأحمر أو الخليج العربي أو غيرهما تعني عمليًا انشغال المجتمع الدولي بأولويات أمنية واقتصادية جديدة، وهو ما يمنح الحرب في غزة مساحة أقل في دائرة الاهتمام السياسي والإعلامي العالمي.

إن ما تشهده المنطقة اليوم يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول العلاقة بين الشعارات والممارسات؛ فالدعم الحقيقي للقضية الفلسطينية يقاس بمدى الإسهام في حماية الشعب الفلسطيني، ووقف الحرب، وتعزيز مسار السلام العادل، لا بخلق أزمات جديدة تهدد أمن المنطقة والملاحة الدولية وتعيد توجيه اهتمام العالم بعيدًا عن معاناة الفلسطينيين.

فيديو