التجريف السياسي في الجنوب.. حين تتحول الإقصاءات إلى خطر يهدد المستقبل

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن|| عين الجنوب ||خاص:
شهد الجنوب خلال العقود الماضية تحولات سياسية عميقة تركت آثارًا كبيرة على بنيته الاجتماعية والوطنية، إلا أن أخطر ما واجهه في كثير من المراحل لم يكن الصراع العسكري وحده، بل ما يمكن وصفه بعمليات "التجريف السياسي" التي استهدفت إضعاف التعددية وإقصاء الكفاءات وتهميش القوى الفاعلة في المجتمع. فالتجريف السياسي لا يعني فقط إبعاد شخصيات أو تيارات بعينها عن المشهد، بل يمتد ليشمل تفريغ المؤسسات من خبراتها، وإضعاف الحياة السياسية، وتحويل العمل الوطني إلى دائرة ضيقة لا تستوعب التنوع الذي يمثل أحد أهم عناصر القوة في أي مجتمع.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن المجتمعات التي تتسع لمختلف الآراء والاتجاهات تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات، بينما تقود سياسات الإقصاء والتهميش إلى إنتاج أزمات متراكمة تنعكس على الاستقرار السياسي والاجتماعي. وفي الجنوب، الذي قدم تضحيات كبيرة في سبيل قضاياه الوطنية، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا إلى تعزيز الشراكة الوطنية بدلاً من تكريس الانقسامات أو استبعاد أي مكون يمتلك حضورًا وتأثيرًا في الساحة العامة.
إن التجريف السياسي غالبًا ما يبدأ بخطاب يستهدف المخالفين في الرأي، ثم يتطور إلى محاولات لإضعاف حضورهم في المؤسسات ومراكز القرار، قبل أن يتحول إلى حالة عامة تؤثر على المجتمع بأكمله. وعندما تُغلق أبواب المشاركة أمام الكفاءات والخبرات لمجرد اختلافات سياسية أو اجتهادات فكرية، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون الأفراد أو القوى المستهدفة فحسب، بل الوطن الذي يفقد جزءًا من طاقاته وقدراته على البناء والتطوير.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة في المراحل الحساسة التي تتطلب أعلى درجات التماسك الوطني. فالجنوب يواجه تحديات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، ولا يمكن التعامل معها بعقلية الإقصاء أو الاحتكار. بل إن نجاح أي مشروع وطني مرهون بقدرته على استيعاب مختلف الطاقات وتوظيفها في خدمة المصلحة العامة. فالقضايا الكبرى لا تُحسم بقرارات فردية أو توجهات ضيقة، وإنما بتوافقات واسعة تعكس إرادة المجتمع وتحافظ على وحدته الداخلية.
كما أن التجريف السياسي يترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، إذ يولد شعورًا بالإحباط لدى فئات واسعة من المواطنين الذين يرون أن فرص المشاركة أصبحت محدودة أو مرتبطة بالولاءات أكثر من ارتباطها بالكفاءة والاستحقاق. ومع مرور الوقت، تتآكل الثقة بالمؤسسات وتتراجع فرص بناء دولة قادرة على استيعاب الجميع وتحقيق تطلعاتهم.
ومن هنا تبرز أهمية ترسيخ ثقافة الحوار والقبول بالتنوع السياسي باعتبارها ركيزة أساسية لأي مشروع وطني ناجح. فاختلاف الرؤى لا ينبغي أن يكون سببًا للصراع، بل مصدرًا للإثراء وتبادل الخبرات. والقيادات التي تنجح في إدارة التنوع وتحويله إلى عنصر قوة هي التي تستطيع بناء مؤسسات مستقرة وقادرة على مواجهة المتغيرات.
إن المرحلة الراهنة تتطلب مراجعة جادة لكل الممارسات التي يمكن أن تسهم في توسيع فجوة الخلافات أو إضعاف النسيج الوطني. فالمستقبل لا يُبنى بالإقصاء، ولا تُصان القضايا العادلة عبر تهميش شركائها، بل من خلال تعزيز الشراكة واحترام التعددية وفتح المجال أمام الجميع للمساهمة في صناعة القرار الوطني.
ويبقى الرهان الحقيقي على وعي المجتمع وقدرته على حماية مكتسباته السياسية من أي محاولات للتجريف أو الاحتكار، لأن الأوطان القوية هي تلك التي تستند إلى مؤسسات جامعة وإرادة شعبية واسعة، لا إلى معادلات ضيقة سرعان ما تتآكل أمام تحديات الواقع. فالجنوب بحاجة اليوم إلى مشروع يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويستوعب الجميع تحت مظلة المصلحة الوطنية العليا، باعتبارها الضمانة الأساسية لعبور المرحلة الراهنة وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.

فيديو