استهداف الرئيس الزُبيدي استهداف لقضية شعب الجنوب؟.. معركة التقارير في أروقة مجلس الأمن تكشف عمق الأزمة

تقارير - منذ 7 ساعات

عدن.عين الجنوب||خاص         


في الوقت الذي تعيش فيه اليمن والجنوب واحدة من أعقد الأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية في تاريخها الحديث، تتواصل المعارك السياسية والدبلوماسية في أروقة المؤسسات الدولية، وسط تبادل للاتهامات ومحاولات تحميل المسؤولية لأطراف مختلفة عن حالة الانهيار التي تعصف بالبلاد منذ سنوات طويلة. وفي هذا السياق، أثارت التصريحات الأخيرة لمندوب ما يُعرف بالحكومة اليمنية لدى مجلس الأمن جدلاً واسعاً بعد مطالبته بإدراج الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي ضمن قوائم العقوبات الدولية، في خطوة اعتبرها مراقبون تصعيداً سياسياً جديداً يعكس حجم الانقسام القائم داخل المشهد اليمني.
ويرى متابعون للشأن السياسي أن تكرار الاتهامات الموجهة إلى الزُبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي بات أشبه بأسطوانة سياسية مكررة تُستخدم كلما تعقدت الأوضاع أو تصاعدت الأزمات، في محاولة لتحويل الأنظار عن الإخفاقات المتراكمة التي عجزت الحكومات المتعاقبة عن معالجتها طوال سنوات الحرب. فبينما تتفاقم الأزمات الاقتصادية وتتراجع الخدمات الأساسية وتتدهور قيمة العملة المحلية، تتجه بعض الأطراف إلى البحث عن خصوم سياسيين لتحميلهم مسؤولية واقع تشكلت ملامحه نتيجة تراكمات طويلة من الفشل وسوء الإدارة والصراعات المستمرة.
ويؤكد مراقبون أن المطالبة بفرض عقوبات على الزُبيدي لا يمكن فصلها عن طبيعة الصراع السياسي القائم حول مستقبل الجنوب والقضية الجنوبية، خصوصاً أن الرجل يمثل بالنسبة لقطاع واسع من الجنوبيين رمزاً سياسياً وقائداً لمشروع يطالب باستعادة الحقوق السياسية لشعب الجنوب. ولذلك فإن أي محاولة لاستهدافه دولياً تُقرأ لدى ألجنوبيين باعتبارها استهدافاً مباشراً لقضية سياسية يتبناها ملايين المواطنين، وليست مجرد إجراءات موجهة ضد شخصية بعينها.
ويذهب كثير من المحللين إلى أن اللجوء إلى المؤسسات الدولية بهدف الضغط على الخصوم السياسيين يعكس حالة من الإفلاس السياسي لدى بعض القوى التي لم تعد تمتلك أدوات فاعلة لإقناع الشارع أو تقديم حلول حقيقية للأزمات المتفاقمة. فبدلاً من تقديم رؤى لمعالجة الانهيار الاقتصادي أو استعادة مؤسسات الدولة أو تحسين حياة المواطنين، تتحول الجهود إلى حملات اتهام متبادلة وصراعات إعلامية وسياسية لا تسهم في معالجة جوهر الأزمة.
وتبرز في هذا السياق تساؤلات عديدة حول المعايير التي يتم الاستناد إليها عند المطالبة بالعقوبات الدولية، خاصة في ظل استمرار الحرب وتعثر جهود السلام. فهناك من يتساءل: إذا كانت العقوبات الدولية تمثل أداة فعالة لحل النزاعات وفرض الاستقرار، فلماذا لم تنجح حتى اليوم في إنهاء الحرب اليمنية أو فرض تسوية سياسية شاملة؟ ولماذا ما زالت جماعة الحوثي تفرض نفوذها على مساحات واسعة من البلاد رغم سنوات طويلة من القرارات الدولية والعقوبات والإدانات المتكررة؟
كما يرى مراقبون أن التركيز على الصراعات الجانبية لا يخدم الجهود الرامية إلى تحقيق السلام بقدر ما يعمق الانقسامات ويزيد من تعقيد المشهد السياسي. فالبلاد اليوم بحاجة إلى حلول واقعية تعالج جذور الأزمة، وتفتح المجال أمام حوار سياسي شامل يشارك فيه جميع الأطراف الفاعلة، بدلاً من تحويل المنابر الدولية إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية.
ويؤكد كثير من المتابعين أن الأزمة اليمنية تجاوزت منذ زمن طويل مرحلة البحث عن متهم واحد أو طرف واحد لتحميله المسؤولية، إذ إن ما وصلت إليه البلاد هو نتاج سنوات من الصراعات والحروب والانقسامات وسوء الإدارة وتضارب المصالح المحلية والإقليمية. ومن هنا فإن أي محاولة لاختزال الأزمة في شخص أو مكون سياسي لن تسهم في إنتاج حلول حقيقية بقدر ما ستؤدي إلى مزيد من الاستقطاب.
وفي ظل هذه التطورات، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى مراجعة شاملة للمسار السياسي اليمني ، بعيداً عن لغة التخوين والإقصاء والعقوبات المتبادلة. فالمواطن الذي يواجه يومياً أعباء المعيشة وانهيار الخدمات لا ينتظر المزيد من الصراعات السياسية، بل يبحث عن استقرار وأمن وفرص حياة كريمة. أما استمرار معارك الاتهامات في المحافل الدولية فلن يغير من واقع الأزمة شيئاً ما لم تقترن بإرادة حقيقية لمعالجة أسبابها العميقة.
وبينما تتواصل المناورات السياسية في الداخل والخارج، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تسهم حملات الاستهداف السياسي والعقوبات في تقريب البلد من السلام، أم أنها مجرد فصل جديد من فصول الصراع الطويل الذي أنهك البلاد وأرهق شعبها؟ سؤال لا تزال الإجابة عنه معلقة بين حسابات السياسة وتعقيدات الواقع، في انتظار رؤية أكثر شمولاً قادرة على انتشال الاوضاع من أزماتها المستمرة.

فيديو