بين الفساد والانهيار الخدمي.. لماذا تتآكل شرعية الحكومة؟

تقارير - منذ 5 ساعات

عدن ، عين الجنوب ||خاص

في عالم السياسة، تستمد الحكومات شرعيتها من شعوبها، وتكتسب قوتها من قدرتها على تمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم وتحقيق الحد الأدنى من تطلعاتهم. غير أن ما يُعرف اليوم بـ"الشرعية اليمنية" بات نموذجاً مغايراً تماماً لهذا المفهوم، إذ تحولت مع مرور السنوات إلى سلطة تحمل الاسم فقط، بينما فقدت معظم المقومات التي تمنح أي كيان سياسي حق الادعاء بتمثيل الناس أو التحدث باسمهم.
فمنذ سنوات طويلة، تعيش هذه الشرعية بعيداً عن معاناة المواطنين الذين تزعم تمثيلهم، وتدير شؤون البلاد من خارج حدودها أكثر مما تديرها من الداخل. وبينما يرزح السكان تحت وطأة انهيار اقتصادي غير مسبوق، وتدهور الخدمات الأساسية، وانقطاع الكهرباء والمياه، وتآكل قيمة العملة المحلية، تبدو هذه السلطة منشغلة بصراعات النفوذ وتقاسم المناصب والمكاسب أكثر من انشغالها بأزمات المواطنين اليومية.
لقد فشلت هذه الشرعية في تحقيق أبرز الأهداف التي قامت من أجلها، وعجزت عن استعادة الدولة أو فرض سيطرتها على الأرض أو بناء مؤسسات قادرة على تقديم الخدمات للناس. بل إن الكثير من المناطق الواقعة نظرياً تحت إدارتها تعاني من أوضاع معيشية كارثية جعلت المواطنين يتساءلون عن الجدوى الحقيقية من وجود حكومة لا تستطيع توفير أبسط متطلبات الحياة.
ومع مرور الوقت، تراجعت الثقة الشعبية بهذه المنظومة السياسية بصورة لافتة، نتيجة تراكم الإخفاقات والوعود غير المنجزة. فكلما ازدادت الأزمات تعقيداً، ازداد شعور المواطنين بأن هذه السلطة أصبحت جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل. ولم يعد الحديث يدور حول إنجازات أو مشاريع تنموية، بل حول ملفات الفساد والهدر المالي والامتيازات التي يتمتع بها كبار المسؤولين في وقت يواجه فيه ملايين المواطنين ظروفاً معيشية قاسية.
وتكشف التقارير والتسريبات المتكررة حجم الفجوة الهائلة بين حياة المسؤولين ومعاناة المواطنين. ففي الوقت الذي تكافح فيه الأسر لتأمين احتياجاتها الأساسية، تستمر النفقات الحكومية الباهظة والسفريات والبدلات والمخصصات المالية لكبار المسؤولين دون أي رقابة حقيقية أو مساءلة فعالة، الأمر الذي يعمق مشاعر السخط الشعبي ويزيد من حالة الاحتقان العام.
كما أن الخطاب السياسي لهذه الشرعية لم يعد قادراً على إقناع الشارع الذي أصبح يقيس الأداء بالنتائج لا بالشعارات. فالمواطن الذي يعاني من انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار وانهيار الخدمات لا يعنيه حجم البيانات الصادرة أو التصريحات الإعلامية، بقدر ما يعنيه وجود حلول واقعية تنعكس على حياته اليومية.
ويذهب كثير من المراقبين إلى أن أزمة الشرعية لم تعد أزمة إمكانيات أو ظروف حرب فقط، بل أصبحت أزمة ثقة وشرعية شعبية بالمعنى السياسي للكلمة. فالحكومة التي تعجز عن تلبية احتياجات الناس، وتفشل في بناء مؤسسات فاعلة، وتبتعد عن المواطنين، تجد نفسها تدريجياً أمام واقع سياسي يضعف قدرتها على الادعاء بأنها تمثل الإرادة الشعبية.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تتزايد الأصوات المطالبة بمراجعة شاملة لأداء هذه المنظومة السياسية، وإعادة النظر في أساليب إدارتها للمرحلة الراهنة. فاستمرار الأوضاع الحالية دون إصلاحات حقيقية لن يؤدي إلا إلى مزيد من التآكل في رصيدها الشعبي والسياسي، خصوصاً مع اتساع رقعة المعاناة الاقتصادية وتزايد الإحباط لدى المواطنين.
إن الشرعية الحقيقية لا تُمنح بقرارات أو اعترافات خارجية فقط، وإنما تُبنى أولاً من خلال رضا الناس وثقتهم وإحساسهم بأن السلطة تعمل من أجلهم. وعندما تغيب هذه العناصر الأساسية، يصبح الحديث عن الشرعية محل تساؤل واسع، وتتحول السلطة إلى كيان يحمل الاسم دون أن يمتلك الجوهر الذي يمنحه المشروعية والاستمرار.
وهكذا تجد هذه المنظومة نفسها اليوم أمام اختبار تاريخي صعب؛ فإما أن تنجح في استعادة ثقة المواطنين عبر إصلاحات جادة وإنجازات ملموسة، وإما أن تظل أسيرة دائرة الإخفاقات التي جعلت كثيرين يصفونها بأنها "الشرعية التي بلا شرعية".

فيديو