مجلس القيادة بلا صندوق اقتراع ولا حاضنة شعبية.. فمن أين استمد شرعيته؟

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن || عين الجنوب|| خاص:
في السياسة، لا تكفي الأوراق الرسمية وحدها لصناعة الشرعية، ولا تستطيع البيانات والقرارات الدولية أن تحجب إلى ما لا نهاية حقيقة الموقف الشعبي على الأرض. ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً في المشهد اليمني: كيف يمكن لمجلس القيادة الرئاسي أن يتحدث عن الشرعية، بينما لم يصل إلى السلطة عبر انتخاب شعبي مباشر، وتتسع الفجوة بينه وبين قطاعات واسعة من الشارع؟
فالشرعية السياسية ليست مجرد ختم رسمي أو اعتراف خارجي، بل هي في جوهرها علاقة متبادلة بين السلطة والمجتمع؛ سلطة تستمد قوتها من قبول الناس بها، ومؤسسات تثبت شرعيتها من خلال قدرتها على حماية المواطنين، وتوفير الخدمات، وتحقيق الأمن، وإدارة الموارد بعدالة، والاستجابة للمطالب العامة. وعندما تتآكل هذه العلاقة، يصبح الحديث عن الشرعية بحاجة إلى مراجعة حقيقية، لا إلى تكرار المصطلحات السياسية ذاتها.
ومنذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، ظل المجلس يقدم نفسه باعتباره إطاراً جامعاً للقوى المناهضة للحوثيين، ويحظى بدعم إقليمي ودولي باعتباره السلطة التنفيذية المعترف بها في اليمن. غير أن الاعتراف الخارجي، مهما كانت أهميته السياسية والقانونية، لا يعني بالضرورة أن الرضا الشعبي حاضر بالدرجة نفسها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
فالمواطن الذي يواجه تدهور الخدمات، وانهيار العملة، وتأخر الرواتب، وارتفاع الأسعار، وتراجع قدرته الشرائية، لا ينظر إلى الشرعية من زاوية البيانات الصادرة من العواصم الخارجية، بل من زاوية حياته اليومية. بالنسبة إليه، السؤال ليس: من يعترف بالمجلس؟ وإنما: ماذا قدم المجلس؟ وماذا تغير في حياة الناس منذ توليه المسؤولية؟
فالشرعية التي لا تنعكس على حياة المواطنين تبقى معرضة للاهتزاز، مهما كانت قوة المظلة السياسية التي تحيط بها.
وتزداد الإشكالية تعقيداً عندما تتباعد مواقف السلطة عن المطالب السياسية والاجتماعية المتصاعدة في الجنوب. فالجنوب لم يعد مجرد ملف إداري أو أمني يمكن تأجيله، بل أصبح قضية سياسية حاضرة بقوة في المشهد اليمني، مع وجود مطالب شعبية وسياسية واسعة بإعادة صياغة مستقبل الجنوب وتحديد شكل الدولة والعلاقة بين الشمال والجنوب.
وفي ظل هذه المعادلة، فإن تجاهل المزاج الشعبي لا يؤدي بالضرورة إلى تثبيت الشرعية، بل قد يؤدي إلى إضعافها. فالسلطة التي لا تستطيع إقناع المجتمع بأنها تمثله وتدافع عن مصالحه تصبح تدريجياً سلطة تستند إلى الاعتراف الخارجي أكثر مما تستند إلى القبول الداخلي.
ولا يعني ذلك أن الاعتراف الدولي بالمجلس قد انتهى أو أنه بلا قيمة، فهناك فرق واضح بين الشرعية القانونية والسياسية التي تستند إلى ترتيبات سياسية واعتراف دولي، وبين الشرعية الشعبية التي تُقاس بمدى قبول المجتمع للسلطة وثقته بها واستعداده لمنحها التفويض السياسي.
وهذا الفرق هو جوهر المشكلة.
فإذا كانت السلطة تمتلك اعترافاً دولياً لكنها تفقد ثقة قطاعات واسعة من المجتمع، فإن الحل لا يكون بتكرار الحديث عن الاعتراف، وإنما بإعادة بناء جسور الثقة مع الناس. وإذا كان هناك حراك سياسي وشعبي واسع يطالب بتغيير شكل الدولة أو إعادة صياغة العلاقة بين الشمال والجنوب، فإن التعامل معه باعتباره مجرد احتجاج عابر قد يتحول إلى خطأ سياسي واستراتيجي مكلف.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي سلطة ليس وجود معارضة سياسية واضحة، بل فقدان الثقة الصامتة. فعندما يشعر المواطن أن صوته لا يصل، وأن مطالبه لا تجد استجابة، وأن القرارات تُصنع بعيداً عنه، تبدأ المسافة بين السلطة والمجتمع في الاتساع. ومع اتساع هذه المسافة تتراجع قدرة السلطة على إنتاج شرعية حقيقية ومستدامة.
وفي الجنوب تحديداً، تبدو المعادلة أكثر وضوحاً. فالمجلس الانتقالي الجنوبي يتعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية محورية، ويطرح مشروعاً يقوم على استعادة دولة الجنوب. ولذلك فإن أي تسوية سياسية تتجاهل هذا الواقع أو تحاول اختزال القضية الجنوبية في ترتيبات إدارية مؤقتة ستظل معرضة للاهتزاز، مهما كانت الضمانات الإقليمية والدولية المحيطة بها.
المطلوب اليوم ليس فقط السؤال: من يعترف بمجلس القيادة؟ بل السؤال الأهم: من يثق به؟ ومن يرى فيه ممثلاً حقيقياً لتطلعاته؟ وهل يستطيع المجلس تقديم نموذج سياسي وإداري يقنع الشارع بأنه قادر على إدارة المرحلة المقبلة؟
فالشرعية لا تُقاس فقط بعدد البيانات التي تصدر دعماً لسلطة ما، وإنما أيضاً بقدرتها على الصمود أمام اختبار الشارع. وعندما تصبح الاحتجاجات والإضرابات والمطالب السياسية والاجتماعية مؤشراً متكرراً على اتساع الفجوة بين المجتمع والسلطة، فإن تجاهل هذه المؤشرات لا يلغيها، بل قد يزيد من حدتها.
ومن هنا، فإن الحديث عن الشرعية يحتاج إلى قدر من الصراحة بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة. فالمجلس قد يمتلك غطاءً قانونياً واعترافاً دولياً، لكنه لا يستطيع تحويل ذلك تلقائياً إلى تفويض شعبي دائم. فالانتخابات، والاستفتاءات، والقبول المجتمعي، والأداء الناجح، كلها أدوات مختلفة لإنتاج الشرعية، ولا يمكن اختزالها جميعاً في الاعتراف الخارجي.
إن اليمن يقف أمام مرحلة لا يمكن فيها إدارة السياسة بعقلية الماضي. فالمعادلة تغيرت، والقوى السياسية والاجتماعية على الأرض أصبحت أكثر حضوراً، والجنوب تحديداً لم يعد مستعداً للعودة إلى صيغ سياسية سابقة جرى فرضها دون توافق حقيقي بين الأطراف المعنية.
ولهذا فإن مستقبل مجلس القيادة الرئاسي لن يتحدد فقط في غرف التفاوض أو عبر العواصم الإقليمية والدولية، بل سيتحدد أيضاً في الشارع، وفي مدى قدرة المجلس على استعادة ثقة المواطنين، وفي قدرته على التعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية جوهرية لا مجرد ملف قابل للتأجيل.
فالسلطة تستطيع أن تحصل على الاعتراف، ويمكنها أن تمتلك المؤسسات، ويمكنها أن تحظى بالدعم الخارجي، لكن كل ذلك لا يعوض غياب القبول الشعبي إلى ما لا نهاية.
إن الشرعية المستدامة تحتاج إلى ثلاثة أضلاع متماسكة: اعتراف سياسي، وأداء مؤسسي، وقبول شعبي. وإذا اختل ضلع أساسي منها، تبدأ شرعية السلطة بالدخول في منطقة الاختبار.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه بقوة اليوم ليس: هل يمتلك مجلس القيادة شرعية على الورق؟ بل: هل يمتلك الشرعية التي تجعل الناس يرون فيه ممثلاً حقيقياً لمصالحهم وتطلعاتهم؟
ذلك هو الاختبار الأصعب.
فالشرعية قد تُمنح بقرار، وقد تُدعَم باعتراف، لكنها لا تستمر طويلاً من دون قبول المجتمع. وفي نهاية المطاف، لا تحسم معركة الشرعية البيانات ولا المؤتمرات وحدها، وإنما يحسمها الواقع، والشارع، وقدرة السلطة على إثبات أنها جديرة بالثقة.
ومن هنا يبقى السؤال مفتوحاً أمام مجلس القيادة: إذا لم يأتِ بالتفويض الشعبي عبر صندوق الاقتراع، ولم يستطع حتى الآن بناء حاضنة شعبية واسعة، فهل يكفي الاعتراف الخارجي وحده لضمان شرعية سياسية قابلة للاستمرار؟
إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون مفتاح فهم المرحلة المقبلة في اليمن، وربما الجنوب تحديداً.

فيديو