تراجع النفوذ السعودي في الجنوب؟.. من السيطرة المباشرة إلى معركة النفوذ المتآكل

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن || عين الجنوب|| خاص:
لم يعد الحديث عن النفوذ السعودي في الجنوب العربي مجرد نقاش سياسي عابر، بل أصبح سؤالاً حاضراً بقوة في المشهد الجنوبي: هل استطاعت الرياض فعلاً تثبيت نفوذها بعد التحولات العسكرية والسياسية التي شهدها الجنوب، أم أن أدواتها الجديدة تواجه مقاومة شعبية وسياسية تجعل السيطرة الميدانية مختلفة تماماً عن السيطرة على القرار؟
خلال الأشهر الماضية، انتقلت السعودية إلى محاولة إعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي في الجنوب، خصوصاً بعد التحولات الكبرى التي شهدتها عدن والمحافظات الجنوبية مطلع عام 2026. ووفقاً لمراكز دراسات عملت الرياض على إعادة بناء المنظومة الأمنية الجنوبية، مستفيدة من قوات درع الوطن وقوات أخرى حليفة لها، في محاولة لملء الفراغ الذي خلفته إعادة انتشار قوات المجلس الانتقالي الجنوبي.
لكن السيطرة على المؤسسات والمواقع لا تعني بالضرورة امتلاك النفوذ السياسي والاجتماعي. وهذه هي المفارقة التي تبدو أكثر وضوحاً اليوم.
فالسعودية استطاعت خلال فترة معينة أن تفرض واقعاً أمنياً جديداً في عدن ومناطق جنوبية أخرى، لكنها وجدت نفسها أمام بيئة سياسية واجتماعية شديدة التعقيد، تتداخل فيها القضية الجنوبية، والمطالب الشعبية، والولاءات العسكرية، والمصالح المحلية، فضلاً عن التنافس بين الرياض والحوثيين على الهيمنه على الممرات البحريه في البحر الاحمر وخليج عدن 
إضافة الى ان المشكلة الأساسية في أن النفوذ الذي يُبنى على الترتيبات الأمنية قد ينجح في ضبط مدينة أو منشأة، لكنه لا يستطيع بالضرورة صناعة قبول سياسي دائم.
الجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية يمكن إعادة توزيع قواتها. إنه قضية سياسية تراكمت عبر عقود، وأصبحت لها مؤسسات وقوى وشخصيات وقواعد شعبية، ولذلك فإن أي محاولة لإعادة تشكيل الجنوب من أعلى قد تصطدم سريعاً بالواقع الموجود على الأرض.
وخلال يوليو الماضي، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي تصعيداً شعبياً ونقابياً في عدن ومناطق جنوبية أخرى، رافضاً ما وصفه بالوصاية السعودية، ومحملاً السلطات المدعومة من الرياض مسؤولية تدهور الخدمات والوضع الاقتصادي. وهذه التطورات تكشف أن الصراع لم يعد محصوراً بين تشكيلات عسكرية، بل انتقل إلى الشارع والخطاب السياسي والخدمات والمعيشة.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط ضعف النفوذ السعودي: الفارق بين النفوذ الأمني والنفوذ الشعبي.
فالرياض تستطيع تمويل قوات، ودعم مؤسسات، وإعادة توزيع المناصب، والتأثير في القرار الرسمي، لكنها تواجه صعوبة أكبر عندما يتعلق الأمر بإقناع الشارع الجنوبي بأن الترتيبات السياسية الجديدة تمثل تطلعاته.
وتزداد المسألة تعقيداً مع استمرار الأزمة الاقتصادية والخدمية. فالكهرباء والمياه والعملة والرواتب أصبحت جزءاً من معركة النفوذ نفسها. المواطن لا يقيس نفوذ أي دولة بعدد القوات الموجودة في الشوارع، بل بما إذا كان ذلك النفوذ قادراً على تحسين حياته اليومية.
ومن هنا، فإن تراجع النفوذ السعودي لا يعني بالضرورة خروج الرياض من المشهد الجنوبي، بل يعني أن قدرتها على تحويل قوتها المالية والسياسية إلى نفوذ مستقر أصبحت أكثر صعوبة.
هناك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو أن السعودية دخلت الجنوب في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. فالحرب مع الحوثيين لم تعد مجرد ملف يمني داخلي، بل باتت مرتبطة بأمن البحر الأحمر وباب المندب والمنشآت النفطية السعودية. وفي أحدث التطورات، أشارت رويترز إلى أن الرياض تواجه تهديدات متزايدة من الحوثيين، وتسعى في الوقت ذاته إلى بناء ترتيبات دفاعية وتحالفات بحرية جديدة لحماية مصالحها.
وهذا يعني أن الأولوية السعودية باتت موزعة بين ملفات متعددة: حماية الحدود، مواجهة الحوثيين، تأمين الملاحة، حماية المنشآت النفطية، وإدارة العلاقة مع القوى اليمنية المختلفة. وكلما اتسعت دائرة التحديات، أصبحت إدارة الجنوب أكثر كلفة وتعقيداً.
كما أن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن محاولة هندسة المشهد الجنوبي عبر تعدد القوى والتشكيلات قد تنتج نفوذاً هشاً بدلاً من نفوذ مستقر. فالجنوب يضم قوى محلية متعددة، لكل منها حساباتها ومصالحها، وأي محاولة لتغليب طرف على آخر يمكن أن تؤدي إلى ردود فعل سياسية واجتماعية مضادة.
وتشير تقارير حديثة إلى أن إعادة ترتيب المنظومة الأمنية الجنوبية لم تحسم بصورة نهائية مسألة الولاءات العسكرية والسياسية، وأن جزءاً كبيراً من القوى التي كانت مرتبطة سابقاً بالمجلس الانتقالي ظل يحمل ولاءات غير محسومة بصورة كاملة.
وهنا تكمن عقدة أخرى أمام الرياض: إعادة تشكيل المؤسسات أسهل من إعادة تشكيل الولاءات.
فالضابط الذي يتلقى راتبه من مؤسسة جديدة لا يعني بالضرورة أن قناعته السياسية تغيرت، وكذلك الموظف الذي يعمل في مؤسسة أعيد ترتيب قيادتها لا يعني أن رؤيته للقضية الجنوبية تغيرت.
ولهذا فإن النفوذ السعودي يواجه معركة أعمق من مجرد السيطرة على المقرات. إنها معركة على تعريف مستقبل الجنوب نفسه.
هل يكون الجنوب مجرد جزء من ترتيبات يمنية جديدة تُدار من المركز؟ أم يكون طرفاً سياسياً رئيسياً يمتلك حق تحديد مستقبله؟ هنا تحديداً تتقاطع مصالح السعودية مع تطلعات القوى الجنوبية، ويصبح الخلاف أكبر من مجرد خلاف على المناصب.
وفي المقابل، فإن استمرار الحضور الشعبي للقضية الجنوبية يجعل من الصعب تجاوزها بقرارات إدارية أو ترتيبات أمنية. وحتى التقارير التي تتحدث عن تراجع المجلس الانتقالي أو إعادة ترتيب نفوذه تشير في الوقت ذاته إلى أن القضية الجنوبية نفسها لم تختفِ من المشهد، وأن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية التعامل معها سياسياً.
ومن المفارقات أن محاولة تقليص نفوذ طرف جنوبي قد تؤدي أحياناً إلى إعادة تنشيط حضوره السياسي. فكلما شعر أنصاره بأن هناك محاولة لإقصائه من المشهد، تحولت قضية الإقصاء نفسها إلى وقود للاحتجاج والتعبئة.
وهذا ما يجعل النفوذ السعودي أمام اختبار صعب: استخدام القوة السياسية والأمنية قد يحقق نتائج سريعة، لكنه قد لا يحقق الاستقرار طويل الأمد ما لم يترافق مع تسوية سياسية تحظى بقبول جنوبي حقيقي.
كما أن التنافس السعودي الإماراتي، وإن تغيرت أدواته ومساراته، ترك أثراً عميقاً في تركيبة القوى الجنوبية. فسنوات من بناء النفوذ عبر شركاء محليين أنتجت شبكة معقدة من العلاقات السياسية والعسكرية، وأصبح من الصعب على أي طرف إقليمي أن يعيد رسمها بالكامل وفق إرادته.
وبذلك، يمكن القول إن تراجع النفوذ السعودي في الجنوب لا يرتبط بعامل واحد، بل نتيجة تراكم عدة عوامل: ضعف القبول الشعبي، تعدد مراكز القوى، تعقيد القضية الجنوبية، الأزمات الاقتصادية والخدمية، المنافسة الإقليمية، وانشغال الرياض بتحديات أمنية أوسع من الساحة الجنوبية نفسها.
لكن الأهم أن النفوذ لا يُقاس فقط بمن يملك السلاح أو يسيطر على المؤسسات، وإنما بمن يستطيع إنتاج صيغة سياسية قابلة للاستمرار.
فالسيطرة قد تُفرض في يوم، لكن الشرعية السياسية تحتاج سنوات.
والنفوذ قد يُشترى بالمال، لكنه لا يتحول إلى قبول شعبي إلا إذا ارتبط بمصالح الناس وتطلعاتهم.
لهذا تبدو المعركة المقبلة في الجنوب مختلفة عن سابقاتها. لن تكون بالضرورة معركة مواقع عسكرية، وإنما معركة على من يملك حق رسم مستقبل الجنوب ومن يستطيع إقناع الشارع بأن مشروعه هو الطريق إلى الاستقرار.
وفي هذه النقطة تحديداً، تبدو الرياض أمام خيارين: الاستمرار في إدارة الجنوب من خلال أدوات النفوذ والضغط، أو الانتقال إلى مقاربة سياسية أكثر واقعية تعترف بأن القضية الجنوبية ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه، وأن أي استقرار مستدام في الجنوب يحتاج إلى شراكة حقيقية مع القوى الجنوبية ومجتمعها.
فإذا اختارت الرياض الخيار الأول، فقد تستطيع الحفاظ على نفوذ أمني وسياسي لبعض الوقت، لكنها ستظل تواجه مقاومة سياسية وشعبية متجددة.
أما إذا اختارت الخيار الثاني، فقد يكون بإمكانها تحويل نفوذها المتراجع إلى شراكة أكثر استقراراً، تحفظ مصالحها الأمنية والاستراتيجية وتفتح في الوقت نفسه الباب أمام تسوية سياسية أكثر واقعية.
وفي النهاية، فإن السؤال لم يعد: هل تستطيع السعودية السيطرة على الجنوب؟
السؤال الأكثر أهمية هو: هل تستطيع السعودية إقناع الجنوب بأن نفوذها يخدم مستقبل الجنوب، لا أن يقرر مستقبله؟
وهنا تحديداً ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة. التي ستقلب الطاولة على مشروع الصوتيه إذا مااستمرت سياسيه النفوذ بنفس عقليتها الحاليه

فيديو