قضية شعب الجنوب في مزاد العليمي.. وعود معلّقة بسراب استعادة صنعاء

تقارير - منذ 3 ساعات

عين الجنوب|| خاص:
في المشهد اليمني المتشابك، تبدو قضية شعب الجنوب أمام اختبار جديد، بعدما عادت إلى واجهة الخطاب السياسي لرئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في وقت تتكرر فيه الوعود بحل القضية الجنوبية بالتوازي مع رفع شعار استعادة صنعاء وإنهاء انقلاب جماعة الحوثيين.

العليمي يؤكد في خطاباته أن استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب يمثلان أولوية، كما سبق أن وصف استعادة صنعاء بأنها باتت أقرب من أي وقت مضى. لكن السؤال الذي يفرض نفسه جنوبياً هو: إلى متى ستظل قضية الجنوب مرتبطة بموعد لا يأتي، ومشروع سياسي مؤجل تحت عنوان استعادة صنعاء؟

فمنذ سنوات، ظلت القضية الجنوبية حاضرة في بيانات القوى السياسية والاتفاقات والمبادرات، لكنها في كثير من الأحيان تُطرح باعتبارها ملفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد حسم المعركة مع الحوثيين. ومع مرور الوقت، تحولت عبارة "بعد استعادة الدولة" إلى مساحة زمنية مفتوحة، لا يعرف الجنوبيون متى تنتهي ولا ما الذي ينتظرهم عند نهايتها.

وفي المقابل، فإن الواقع السياسي والعسكري لا يقدم مؤشرات حاسمة على أن استعادة صنعاء باتت وشيكة كما توحي بعض الخطابات السياسية. بل إن استمرار الانقسام داخل القوى المناهضة للحوثيين، والتباينات داخل مجلس القيادة نفسه، يضعف القدرة على إنتاج موقف موحد تجاه الحرب والسلام والقضية الجنوبية. وقد عكست أزمة التعيينات الأخيرة داخل مجلس القيادة حجم التباينات التي تعصف بالشراكة السياسية.

وهنا تبرز المفارقة الأساسية: كيف يمكن مطالبة الجنوب بتأجيل قضيته إلى أجل غير مسمى، بينما لا يوجد جدول زمني واضح لاستعادة صنعاء، ولا تصور متفق عليه لشكل الدولة التي ستنشأ بعد الحرب؟

القضية الجنوبية ليست، من وجهة نظر أنصارها، مجرد بند تفاوضي يمكن وضعه على رف الانتظار، وإنما قضية سياسية ذات جذور تاريخية، ارتبطت طوال السنوات الماضية بمطالب واسعة تتعلق بحق تقرير المصير وشكل الدولة ومستقبل الجنوب.

ولهذا فإن إعادة إنتاج الوعود دون تقديم ضمانات سياسية واضحة قد لا تؤدي إلى تهدئة الشارع الجنوبي، بل ربما تزيد من اتساع فجوة الثقة بين القوى السياسية والشارع.

وتزداد حساسية المشهد مع الحديث عن حوار جنوبي ترعاه السعودية، في ظل اختلاف الرؤى حول طبيعة هذا الحوار وأهدافه ومخرجاته. وكانت الرياض قد رحبت في يناير 2026 بطلب العليمي استضافة مؤتمر يتعلق بأزمة جنوب اليمن.

غير أن السؤال الجنوبي الأكثر حضوراً لا يتعلق بمكان انعقاد الحوار فقط، وإنما بمن يملك حق تحديد مستقبل الجنوب، وما إذا كانت مخرجات أي حوار ستعكس إرادة شعبه أم ستظل محكومة بحسابات القوى الإقليمية وموازين الصراع اليمني.

وفي هذا السياق، يصبح شعار استعادة صنعاء سيفاً ذا حدين. فمن جهة، لا يمكن تجاهل خطر الحوثيين أو التقليل من أهمية إنهاء الانقلاب، لكن من جهة أخرى لا ينبغي أن تتحول مواجهة الحوثيين إلى مبرر دائم لتأجيل معالجة القضية الجنوبية.

فالجنوب، بحسب الخطاب المطالب بحقه السياسي، ليس طرفاً ينتظر مكافأة بعد انتهاء الحرب، ولا قوة عسكرية مطالبة بالقتال إلى أجل غير معلوم مقابل وعود مستقبلية. ولذلك فإن أي مشروع سياسي جاد يحتاج إلى الإجابة بوضوح عن سؤال الجنوب قبل الحديث عن شكل اليمن القادم.

والأخطر أن استمرار تقديم الوعود من دون ترجمتها إلى مسار سياسي واضح قد يحول القضية الجنوبية إلى ما يشبه المزاد السياسي؛ كل طرف يقدم وعداً، ويؤجل الاستحقاق، ويطلب من الشارع الجنوبي مزيداً من الصبر، فيما تبقى القرارات الكبرى معلقة بين غرف السياسة الإقليمية وحسابات الحرب.

وفي المقابل، فإن التحولات التي شهدها الجنوب خلال السنوات الماضية جعلت تجاهل القضية أكثر صعوبة. فالقضية لم تعد مجرد ملف سياسي يمكن احتواؤه ببيان أو تصريح، وإنما أصبحت مرتبطة بوعي شعبي واسع وبمواقف سياسية وعسكرية متجذرة على الأرض.

وتكشف التطورات الأخيرة في الجنوب أن الصراع لم يعد محصوراً في مواجهة الحوثيين، بل باتت هناك أيضاً معركة على شكل الدولة ومستقبل الجنوب وموقع القوى الجنوبية في أي تسوية قادمة.

ومن هنا، فإن الرهان على أن الزمن كفيل بإذابة القضية الجنوبية يبدو رهاناً محفوفاً بالمخاطر. فكلما طال الانتظار من دون حلول واضحة، ازدادت الأسئلة، واتسعت مساحة الشك، وأصبح من الصعب إقناع الشارع بأن القضية ستجد طريقها إلى الحل بعد انتهاء حرب قد لا يكون لها موعد واضح للنهاية.

استعادة صنعاء، إن كانت هدفاً سياسياً وعسكرياً، تحتاج إلى مشروع واقعي وأدوات واضحة، لا إلى مجرد وعود متكررة. والقضية الجنوبية تحتاج في الوقت ذاته إلى مسار سياسي جاد لا يجعل حقوق شعب بأكمله رهينة بموعد استعادة مدينة.

وفي النهاية، فإن المعادلة التي تفرض نفسها اليوم هي أن استعادة صنعاء لا ينبغي أن تكون شيكاً مؤجلاً يُطلب من الجنوب دفع ثمنه مسبقاً.

فالسلام الحقيقي لا يبدأ من تأجيل القضايا، وإنما من الاعتراف بها ووضع حلول عادلة لها.

وبين وعود العليمي باستعادة الدولة، والحديث عن حل القضية الجنوبية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل نحن أمام مشروع سياسي حقيقي يضمن مستقبلاً عادلاً للجنوب، أم أمام وعود جديدة تُضاف إلى وعود سابقة حتى إشعار آخر؟

الساحة الجنوبية وحدها ستكشف الإجابة، والمرحلة المقبلة ستكون الاختبار الحقيقي لأي طرف يعتقد أن بإمكانه إدارة القضية الجنوبية بمنطق التأجيل والوعود.

فيديو