من حضور الجنوب إلى الغياب.. هل أُسقطت قضية الجنوب من أجندة المبعوث الأممي؟

تقارير - منذ 6 ساعات

عين الجنوب|| خاص:
أثارت الإحاطة التي قدمها المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أمام مجلس الأمن الدولي اليوم، حالة من التساؤلات والجدل في الأوساط الجنوبية، على خلفية ما يراه مراقبون غيابًا لافتًا لأي إشارة مباشرة إلى الجنوب وقضيته السياسية، في تحول يختلف، بحسب متابعين، عن طبيعة الإحاطات الأممية السابقة.

فالجنوب، الذي ظل حاضرًا بدرجات متفاوتة في بيانات وإحاطات المبعوث الأممي خلال السنوات الماضية، لم يعد مجرد ملف هامشي في المشهد اليمني، بل بات قضية سياسية وعسكرية وميدانية فرضت نفسها على طاولة المفاوضات وعلى مسار الأزمة اليمنية برمتها. ولذلك فإن غياب الإشارة إليه في إحاطة اليوم يفتح الباب أمام أسئلة أكبر من مجرد مسألة صياغة أو ترتيب للأولويات.

وقبل أحداث يناير 2026، كانت إحاطات المبعوث الأممي إلى مجلس الأمن تتضمن، بصورة أو بأخرى، إشارات إلى تطورات الجنوب، والقوى الجنوبية، والأوضاع الأمنية والعسكرية في المحافظات الجنوبية، باعتبارها جزءًا أساسيًا من تعقيدات المشهد اليمني. أما اليوم، فإن هذا الحضور يبدو، وفق القراءة الجنوبية، وكأنه يتراجع بصورة مقلقة، وصولًا إلى غياب الجنوب وقضيته عن إحاطة بهذه الأهمية.

وهنا تبرز علامات الاستفهام: هل يمثل هذا الغياب تحولًا في طريقة تعاطي المجتمع الدولي مع القضية الجنوبية؟ وهل أصبحت القضية خارج الحسابات السياسية للمسار الأممي؟ أم أن ما يجري ليس أكثر من انعكاس للتحولات التي شهدها المشهد اليمني منذ أحداث يناير 2026؟

المخاوف الجنوبية لا تتعلق بكلمة أو فقرة غابت عن إحاطة واحدة فحسب، وإنما بما قد تعنيه هذه الإحاطة إذا جاءت ضمن مسار متواصل لإعادة تعريف الأزمة اليمنية بطريقة تختزلها في صراع بين أطراف شمالية، بينما يتم التعامل مع الجنوب باعتباره مجرد ساحة جغرافية أو طرفًا أمنيًا، لا صاحب قضية سياسية وحق في تقرير مستقبله.

فالجنوب ليس تفصيلًا يمكن حذفه من أي تسوية سياسية دون أن تتأثر فرص نجاحها. وأي مسار أممي يتجاهل حقيقة وجود قضية جنوبية ذات جذور سياسية وتاريخية، سيكون معرضًا لإنتاج حلول مؤقتة لا تلامس جوهر الأزمة.

واللافت أن التطورات الميدانية والسياسية خلال السنوات الماضية أثبتت أن الجنوب يمتلك حضورًا لا يمكن تجاوزه بسهولة، سواء من خلال قواته وأجهزته الأمنية والعسكرية، أو من خلال حضوره الشعبي والسياسي، أو من خلال موقعه الجغرافي والاستراتيجي الذي يجعله طرفًا مؤثرًا في أمن المنطقة والممرات البحرية ومكافحة التنظيمات المسلحة.

ومن هنا، فإن محاولة تغييب الجنوب سياسيًا لا تعني بالضرورة اختفاء قضيته من الواقع، بل قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، تتمثل في اتساع الفجوة بين المسارات الدبلوماسية وما يحدث على الأرض.

ويرى قطاع واسع من الجنوبيين أن ما يحدث اليوم هو نتيجة طبيعية لتحولات سياسية جرى خلالها، بحسب هذا الرأي، تهميش القوى الجنوبية التي كانت تفرض حضور القضية الجنوبية على طاولة النقاش، وفتح المجال أمام شخصيات وقوى لا تمثل تطلعات الشارع الجنوبي، الأمر الذي جعل القضية عرضة للمساومات والتوظيف السياسي.

وبينما يحرص المجتمع الدولي على الحديث عن حل شامل ومستدام للأزمة اليمنية، فإن السؤال الجوهري يبقى: كيف يمكن الوصول إلى سلام دائم إذا جرى تجاوز أحد أهم الملفات التي أنتجت الصراع وأثرت في توازناته؟

إن السلام الحقيقي لا يبنى على حذف القضايا من البيانات، ولا على تجاهل القوى الفاعلة على الأرض، ولا على اختزال تطلعات الشعوب في ترتيبات سياسية مؤقتة. وإنما يبدأ بالاعتراف بالواقع كما هو، والاستماع إلى الأطراف المعنية، ووضع حلول تعالج جذور الأزمة لا مظاهرها فقط.

وتبقى إحاطة غروندبرغ الأخيرة، بما حملته من غياب للجنوب وقضيته وفق القراءة المتداولة، موضع تساؤل سياسي كبير: هل نحن أمام مجرد تغير في لغة الخطاب الأممي، أم أمام بداية مرحلة جديدة يجري فيها إعادة ترتيب أوراق الملف اليمني على حساب القضية الجنوبية؟

وفي كل الأحوال، فإن الجنوب الذي ظل حاضرًا في الميدان طوال سنوات الحرب، لا يمكن أن يصبح غائبًا عن مستقبل التسوية بقرار سياسي أو بتجاهل دبلوماسي. فالقضايا التي تحملها الشعوب لا تسقط من الحسابات بمجرد أن تختفي من نص إحاطة، بل تبقى حاضرة ما دام أصحابها متمسكين بها، وما دامت أسبابها السياسية قائمة.

ويبقى التحدي أمام القوى الجنوبية اليوم هو تحويل هذا القلق إلى موقف سياسي واضح، ومطالبة المجتمع الدولي بأن تكون أي عملية سلام يمنية شاملة فعلًا، وأن تتعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية قائمة بذاتها، لا مجرد ملف أمني أو ورقة تفاوضية قابلة للحذف والإضافة.

فالجنوب، في نهاية المطاف، قد يغيب عن بعض الأوراق الدبلوماسية، لكنه لا يغيب عن معادلة الواقع، ولا يمكن بناء مستقبل مستقر لليمن والمنطقة من دون التعامل الجاد مع قضيته وموقف شعبه وتطلعاته السياسية.

فيديو