حين دوّت الألعاب النارية بعد صافرة النهاية.. كيف تحولت خسارة السعودية إلى رسالة معبّرة من الشارع الجنوبي؟

السياسة - منذ 5 ساعات

عدن ، عين الجنوب|| خاص

في كثير من الأحيان لا تجد الشعوب المنهكة بالأزمات السياسية والاقتصادية والاعتداءات المتكرره  منفذاً مباشراً للتعبير عن حجم ما يعتمل في صدورها من غضب وإحباط، فتبحث تلك المشاعر عن مناسبات مختلفة لتخرج إلى العلن. وقد تكون الرياضة، رغم بعدها الظاهري عن السياسة، واحدة من أكثر المساحات التي تتحول فيها العواطف الشعبية إلى رسائل سياسية واضحة، حتى وإن لم تُرفع خلالها الشعارات أو تُطلق فيها الخطابات.
هذا ما بدا جلياً في عدد من المدن والمناطق الجنوبية عقب خسارة المنتخب السعودي أمام نظيره الإسباني، حيث شهدت شوارع وأحياء عدة مظاهر احتفاء وإطلاق ألعاب نارية بصورة لافتة، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول الدلالات الحقيقية لهذه المشاهد، وما إذا كانت مرتبطة بنتيجة المباراة نفسها أم أنها تعبير عن واقع سياسي أكثر تعقيداً.
بالنسبة لكثير من المتابعين للشأن الجنوبي، لم يكن ما جرى احتفالاً رياضياً بقدر ما كان تنفيساً عن حالة غضب متراكمة تشكلت خلال السنوات الأخيرة نتيجة جملة من التطورات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تركت آثاراً عميقة في المزاج الشعبي. فالأزمات المعيشية المتفاقمة، والانهيار المستمر للخدمات الأساسية، وتراجع قيمة العملة، وتأخر المرتبات، وانقطاع الكهرباء لساعات طويلة، كلها عوامل أسهمت في صناعة حالة من الاحتقان الشعبي الواسع.
وجاءت هذه المشاهد بعد أيام فقط من الحشود الجماهيرية الكبيرة التي شهدتها العاصمة عدن وعدد من مدن الجنوب، والتي حملت رسائل سياسية واضحة بشأن مستقبل القضية الجنوبية وطبيعة المرحلة المقبلة. وكان آخر تلك الفعاليات الحشد الجماهيري الضخم في ساحة العروض بالعاصمة عدن يوم 21 يونيو 2026، حيث عبّر المشاركون عن مواقف سياسية اعتبروها انعكاساً لإرادة الشارع الجنوبي وتطلعاته.
ومن المهم الإشارة إلى أن غالبية من عبّروا عن فرحتهم بخسارة المنتخب السعودي لم ينطلقوا من موقف عدائي تجاه الشعب السعودي، بل على العكس تماماً. فالعلاقات الاجتماعية والتاريخية والدينية بين أبناء الجنوب والمملكة العربية السعودية تمتد لعقود طويلة، وترتبط بروابط الأخوة والجوار والمصالح المشتركة. ولذلك فإن كثيراً من الأصوات الجنوبية حرصت على التمييز بين الشعب السعوديوي  وبين السياسات والقرارات  التي تقودها التخب السياسيه بعيدا عن اراده الشارع السعودي والتي يرون أنها أسهمت في تعقيد المشهد السياسي أو الإضرار بمصالح الجنوب وقضيته.
فالخلافات السياسية، مهما بلغت حدتها، لا ينبغي أن تُحمّل للشعوب، كما أن المواطن العادي لا يتحمل مسؤولية القرارات التي تصدرها الحكومات. غير أن ردود الفعل التي ظهرت عقب المباراة عكست في جوهرها حجم الإحباط الذي يشعر به قطاع واسع من الجنوبيين تجاه مسار الأحداث خلال الفترة الماضية، وما يعتبرونه تراجعاً عن تفاهمات أو شراكات كانت محل آمال كبيرة خلال سنوات الحرب والمواجهات المشتركة.
وعندما تتحول مباراة كرة قدم إلى مناسبة للتعبير السياسي، فإن ذلك يكشف عن وجود أزمة أعمق من مجرد خلاف عابر. فالشعوب عادة لا تربط مصيرها بنتائج المباريات، لكنها أحياناً تستثمر اللحظات الجماهيرية الكبرى للتعبير عن رسائل يصعب إيصالها بوسائل أخرى. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة ما حدث بوصفه مؤشراً على حجم الفجوة بين الشارع وبعض السياسات القائمة، أكثر من كونه موقفاً من حدث رياضي بحد ذاته.
لقد حملت الألعاب النارية التي أضاءت بعض سماء المدن الجنوبية بعد صافرة النهاية رسالة رمزية مفادها أن حالة السخط الشعبي ما تزال قائمة، وأن الشعور بخيبة الأمل لم يتراجع رغم مرور الوقت. وهي رسالة تؤكد أن الأزمات السياسية لا يمكن تجاوزها بمجرد تجاهل أسبابها، وأن الثقة التي تتعرض للاهتزاز تحتاج إلى خطوات حقيقية لإعادة ترميمها.
كما أن ما جرى يسلط الضوء على حقيقة مهمة في علم السياسة والاجتماع، وهي أن الشعوب قد تصبر طويلاً على المعاناة، لكنها لا تنسى التضحيات التي قدمتها ولا تتخلى بسهولة عن تطلعاتها التي ناضلت من أجلها. وعندما تشعر بأن تلك التطلعات لم تعد تحظى بالاهتمام الكافي، فإنها تبحث عن أي مساحة متاحة لإيصال رسالتها، حتى لو كانت تلك المساحة مباراة كرة قدم يتابعها الملايين حول العالم.
وفي النهاية، فإن قراءة هذه المشاهد بعقلانية ومسؤولية تبدو أكثر أهمية من الاكتفاء بالنظر إليها كحالة فرح عابرة بنتيجة رياضية. فما ظهر في الشارع الجنوبي لم يكن مجرد احتفال بخسارة منتخب أو انتصار آخر، بل كان انعكاساً لحالة سياسية ونفسية واجتماعية متراكمة. وهي رسالة تستحق التوقف أمامها وفهم دوافعها الحقيقية، لأن تجاهل أصوات الشارع لا يلغي وجودها، بل قد يجعلها أكثر حضوراً وتأثيراً في المستقبل.
لقد أثبتت تلك الليلة أن كرة القدم قد تكون أحياناً أكثر من مجرد لعبة، وأن صافرة النهاية قد تتحول في بعض اللحظات إلى بداية حديث سياسي طويل عن الغضب والخذلان والآمال المؤجلة.

فيديو