اقصاء الكوادر الجنوبية الشرارة التي ستشعل فتيل الغضب الجنوبي

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن ، عين الجنوب ||خاص



في لحظة فارقة من تاريخ الجنوب، وفي ظل تعقيدات سياسية واقتصادية وأمنية غير مسبوقة، يبرز ملف إقصاء الكوادر الجنوبية بوصفه واحداً من أخطر الملفات التي تهدد ما تبقى من الثقة بين الشارع الجنوبي ومراكز القرار. فالقضية لم تعد مجرد شكاوى متفرقة من تهميش وظيفي هنا أو استبعاد إداري هناك، بل تحولت إلى شعور عام يتسع يوماً بعد آخر بأن هناك سياسة ممنهجة لإبعاد أبناء الجنوب عن مواقع التأثير، وتجريدهم من حقهم الطبيعي في إدارة مؤسساتهم والمشاركة في صياغة حاضرهم ومستقبلهم.
الجنوب الذي قدّم التضحيات الجسام في ميادين القتال، ووقف رجاله في الصفوف الأولى دفاعاً عن الأرض والهوية، يجد نفسه اليوم أمام مشهد يثير الغضب والاستفزاز في آنٍ واحد؛ كوادر جنوبية مؤهلة، تمتلك الخبرة والكفاءة والتاريخ المهني، تُقصى من المؤسسات، وتُهمّش من مواقع القرار، بينما تُفتح الأبواب أمام شخصيات لا تمتلك في كثير من الأحيان لا الكفاءة ولا القبول الشعبي، سوى أنها تنتمي إلى شبكات نفوذ ومصالح لا ترى في الجنوب سوى ساحة للهيمنة وتقاسم الامتيازات.
هذه الممارسات لا يمكن قراءتها باعتبارها أخطاء إدارية عابرة أو قرارات فردية معزولة، لأن تكرارها واتساعها في أكثر من مؤسسة وقطاع يمنحها طابعاً سياسياً واضحاً. فحين يتم استبعاد الكفاءات الجنوبية من مفاصل الدولة، من السلك الدبلوماسي إلى المؤسسات الاقتصادية، ومن الهيئات الإدارية إلى مواقع الخدمة العامة، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن الجنوبي تكون بالغة الخطورة: أن الجنوب يُراد له أن يبقى مجرد مساحة جغرافية بلا قرار، وبلا تمثيل عادل، وبلا حق في إدارة موارده ومؤسساته.
والأخطر من ذلك أن هذا الإقصاء يأتي في وقت يعيش فيه الجنوب ظروفاً قاسية على كل المستويات. فالمواطن الجنوبي الذي يواجه انهيار الخدمات، وتدهور الكهرباء، وارتفاع الأسعار، وتعثر صرف المرتبات، لا يرى في الوظيفة العامة مجرد منصب بروتوكولي أو امتياز سياسي، بل يراها جزءاً من العدالة، ومن استحقاق طبيعي لأبناء أرضٍ دفعت أثماناً باهظة في معارك التحرير والصمود. ولذلك فإن أي عبث بهذا الملف يتحول سريعاً إلى وقود للغضب الشعبي، لأن المسألة تمس الكرامة قبل أن تمس المصالح، وتمس الشراكة قبل أن تمس التوظيف.
إن ما يزيد من حساسية هذا الملف هو أن الذاكرة الجنوبية ما تزال مثقلة بتاريخ طويل من التهميش والإقصاء بعد حرب صيف 1994، حين تعرض آلاف العسكريين والمدنيين الجنوبيين للإبعاد القسري من مؤسسات الدولة، وتمت مصادرة حضورهم الوظيفي والسياسي بطريقة ولّدت شعوراً عميقاً بالظلم، وأسست لاحقاً لحالة نضالية واسعة انتهت إلى بروز الحراك الجنوبي كقوة احتجاجية وسياسية كبرى. ومن هنا، فإن إعادة إنتاج السياسات نفسها اليوم، ولو بأشكال جديدة، لا يمكن أن تُقرأ في الجنوب إلا بوصفها استفزازاً مباشراً لذاكرة مثقلة بالجراح، ومحاولة لإحياء أسباب الانفجار من جديد.
الكوادر الجنوبية ليست عبئاً على الدولة كما يحاول البعض أن يصوّر، بل هي ثروة بشرية ووطنية حقيقية. الجنوب يمتلك في مختلف المجالات كوادر إدارية وأكاديمية وعسكرية واقتصادية أثبتت حضورها وكفاءتها في أصعب الظروف، وبعضها واصل العمل في الداخل والخارج رغم كل محاولات التهميش. وعندما تُقصى هذه الكوادر لصالح أسماء ضعيفة أو طارئة أو مفروضة من خارج البيئة الجنوبية، فإن الخسارة لا تقع على أبناء الجنوب وحدهم، بل على مؤسسات الدولة نفسها التي تُحرم من الخبرة والكفاءة لصالح المحاصصة والولاءات الضيقة.
ومن المؤلم أن كثيراً من القرارات التي تستهدف الكوادر الجنوبية تأتي في توقيت حساس، وكأن هناك من يتعمد اختبار صبر الشارع الجنوبي ودفعه نحو مزيد من الاحتقان. فبدلاً من أن تتجه السلطة إلى معالجة الاختلالات، وإنصاف الكفاءات، وفتح المجال أمام أبناء الجنوب للمشاركة الحقيقية في مؤسسات الدولة، يجري العكس تماماً: إبعاد، وتجميد، وتهميش، وإحلال أسماء لا تعكس التوازن ولا تراعي التضحيات ولا تستوعب طبيعة المرحلة. وهذا النهج لا يهدد فقط الاستقرار الإداري، بل يهدد السلم الاجتماعي والسياسي، لأنه يراكم شعوراً عاماً بأن هناك من يعمل على تفريغ الجنوب من أدوات قوته الناعمة، بعد أن عجز عن كسر إرادته في الميدان.
إن تجاهل هذه الحقيقة ينطوي على قدر كبير من القصر السياسي. فالجنوب اليوم ليس كما كان بالأمس، والشارع الجنوبي لم يعد قابلاً بابتلاع الإهانات بصمت. هناك وعي شعبي متزايد، وهناك حساسية عالية تجاه أي خطوة تُفهم على أنها استهداف للهوية أو الانتقاص من حق الجنوبيين في تمثيل أنفسهم. ولذلك فإن الاستمرار في سياسة الإقصاء لن يُنتج سوى مزيد من السخط، وربما يدفع نحو موجة غضب واسعة تتجاوز حدود الاحتجاج الإعلامي والسياسي إلى مستويات أكثر تأثيراً في الشارع.
ولا يخفى على أحد أن أي سلطة تتعامل مع الجنوب بعقلية الاستحواذ أو الوصاية إنما ترتكب خطأً استراتيجياً فادحاً. فالجنوبيون الذين قدّموا التضحيات في مواجهة الحوثيين والإرهاب والفوضى، والذين وقفوا سداً منيعاً أمام مشاريع التفكيك والانهيار، لا يمكن أن يقبلوا بأن تكون مكافأتهم هي الإقصاء من مؤسسات دولتهم، أو التعامل معهم كطرف ثانوي في أرضهم. هذه المعادلة مرفوضة شعبياً وأخلاقياً وسياسياً، وكل من يظن أن بالإمكان تمريرها دون كلفة، إنما يقرأ المشهد بعينٍ واحدة.
إن ملف الكوادر الجنوبية ليس ملف وظائف فقط، بل هو ملف عدالة سياسية وشراكة وطنية واحترام لتضحيات شعب. ومن هنا فإن أي استهانة به ستفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها بسهولة. فحين يشعر الناس بأنهم مستهدفون في لقمة عيشهم، وفي حقهم بالتمثيل، وفي مكانتهم داخل مؤسسات الدولة، فإن الغضب يتحول من رد فعل عابر إلى موقف جمعي متماسك، وقد يتحول لاحقاً إلى ضغط سياسي وشعبي يصعب احتواؤه.
المطلوب اليوم ليس بيانات تهدئة ولا وعوداً فضفاضة، بل مراجعة جادة وشجاعة لكل القرارات والسياسات التي طالت الكفاءات الجنوبية، وإعادة الاعتبار لمبدأ الاستحقاق والإنصاف، وتمكين أبناء الجنوب من إدارة مؤسساتهم بما يتناسب مع حجم تضحياتهم ودورهم في حماية الأرض واستعادة الدولة. كما أن من الواجب وقف أي عبث يستهدف تفريغ المؤسسات من كوادرها الجنوبية أو الالتفاف على حق الجنوبيين في الحضور الفاعل داخلها، لأن استمرار هذا النهج لن يقود إلا إلى مزيد من التأزيم.
لقد أثبتت التجارب أن الشعوب قد تصبر على ضيق العيش، لكنها لا تصبر طويلاً على الإهانة وكسر الإرادة. والجنوب الذي صمد في وجه الحروب والمؤامرات، لن يقف مكتوف اليدين أمام محاولات إقصاء أبنائه من مواقعهم وحقوقهم. ومن هنا، فإن الرسالة التي يجب أن تصل بوضوح إلى كل من يدير هذا الملف هي أن إقصاء الكوادر الجنوبية ليس مجرد قرار إداري خاطئ، بل لعب بالنار، وعبث قد يشعل فتيل الغضب الجنوبي في لحظة لم يعد فيها الشارع مستعداً لمزيد من الاستفزاز.

فيديو