تحليل : السياسة السعودية واستراتيجية صراع التوازنات واطالة الحروب

دراسات وتحليلات - منذ 1 ساعة

عدن.عين الجنوب خاص         

تتجدد بين الحين والآخر نقاشات واسعة حول طبيعة السياسة السعودية في اليمن، وسط تفسيرات متباينة لأهدافها الحقيقية ومسار تدخلها الممتد منذ سنوات. وفي هذا السياق، يذهب بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن الرياض تسعى في نهاية المطاف إلى تسليم اليمن، بما في ذلك الجنوب، لجماعة الحوثي قبل الانسحاب من المشهد. غير أن هذا الطرح، بحسب رؤية سياسية متداولة، لا ينسجم مع طبيعة السياسة السعودية ولا مع موازين القوى الإقليمية والدولية.
ويرى أصحاب هذه القراءة أن المملكة لا ترغب في تمكين الحوثيين من السيطرة الكاملة على اليمن، كما أن الولايات المتحدة، بوصفها شريكاً استراتيجياً للرياض، لن تقبل بقيام سلطة يمنية خاضعة بالكامل للحوثيين على حدود المملكة أو على الممرات البحرية الحيوية.
لكن في المقابل، يعتقد هؤلاء أن السعودية لا تبدو متحمسة أيضاً لحسم الحرب لمصلحة أي طرف آخر، سواء كان القوى الجنوبية أو الحكومة المعترف بها دولياً. ووفق هذا التحليل، فإن الهدف يتمثل في إبقاء جميع الأطراف داخل دائرة صراع مفتوح، بحيث لا يمتلك أي منها القدرة على فرض واقع سياسي أو عسكري جديد.
وبحسب هذه الرؤية، فإن استمرار الحرب يحقق للرياض جملة من المكاسب الاستراتيجية؛ إذ يبقى الحوثيون منشغلين في جبهات قتال متعددة، بينما تظل القوى الجنوبية مستنزفة في معارك متواصلة، في حين تبقى الحكومة الشرعية عاجزة عن استعادة زمام المبادرة. وبهذه الطريقة، تستمر موازين القوى في حالة جمود تمنع ظهور طرف يفرض معادلة جديدة.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن السياسة السعودية اعتمدت خلال السنوات الماضية على إعادة تشكيل الخارطة العسكرية والسياسية بصورة مستمرة، عبر دعم وإعادة ترتيب قوى مختلفة وفقاً لمقتضيات المرحلة، بما يضمن استمرار حالة التوازن الهش ومنع أي طرف من تحقيق انتصار حاسم.
وفي السياق ذاته، يذهب هذا التحليل إلى أن دعم بعض التشكيلات ذات الخلفية السلفية لا يعكس بالضرورة تبنياً فكرياً لهذا التيار، بل يُنظر إليه باعتباره توظيفاً سياسياً لأدوات محلية تخدم أهدافاً مرحلية. ويستشهد أصحاب هذه الرؤية بالتغيرات الاجتماعية والدينية التي شهدتها السعودية خلال السنوات الأخيرة، معتبرين أن توظيف هذه التيارات في اليمن يختلف عن السياسات الداخلية للمملكة.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن الصراع لم يعد يدور فقط حول الجغرافيا أو النفوذ السياسي، بل أصبح يشمل إعادة تشكيل موازين القوى الاجتماعية والعسكرية، من خلال تفكيك بعض التشكيلات وإعادة بناء أخرى على أسس مختلفة، الأمر الذي يؤدي – بحسب هذا التحليل – إلى إطالة أمد النزاع وتحويله من صراع سياسي إلى صراعات أكثر تعقيداً واستدامة.
كما يربط هذا التصور بين استمرار حالة التشظي السياسي وتكاثر المكونات المحلية، معتبراً أن غياب أي إطار موحد يمثل القوى الجنوبية أو غيرها من القوى الفاعلة يصب في مصلحة استمرار الوضع القائم، ويحول دون ظهور مشروع سياسي قادر على فرض نفسه على طاولة المفاوضات.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يرى أصحاب هذا الطرح أن تدهور الخدمات، واتساع رقعة الفقر، واعتماد قطاعات واسعة من السكان على المساعدات الإنسانية، كلها عوامل تسهم في إنهاك المجتمع وإشغاله بأعباء الحياة اليومية، بما يحد من قدرته على الضغط من أجل تحقيق أهداف سياسية أو وطنية بعيدة المدى.
وفي المحصلة، يخلص هذا الاتجاه التحليلي إلى أن جوهر السياسة السعودية في اليمن، من وجهة نظره، لا يتمثل في تحقيق انتصار لأي طرف، ولا في تمكين الحوثيين أو خصومهم من السيطرة الكاملة، وإنما في إدارة الصراع ومنع الحسم، بما يبقي اليمن ساحة مفتوحة لتوازنات إقليمية معقدة، ويحول دون نشوء دولة قوية تمتلك قرارها بعيداً عن النفوذ الخارجي.
وبين مؤيد لهذه القراءة ورافض لها، تبقى السياسة السعودية في اليمن موضع نقاش واسع بين الباحثين والمراقبين، في ظل استمرار الحرب وتعثر مسارات التسوية، واستمرار الأسئلة حول مستقبل اليمن والمنطقة بأسرها.

فيديو